
وشاهدت الليث بن سعد
بقلم: د. أحمد أحمد عبده – قسم مقارنة الأديان كلية الدراسات الٱسيوية العليا – جامعة الزقازيق
بالصدفة البحتة، بينما كنت أتنقل بين قنوات التلفاز، أبحث عن خبر يهدئ روعي ويطمئن فؤادي وسط ما يجري من أحداث لأهلنا في القدس والمسجد الأقصى وفلسطين، وقعت عيناي على عمل تلفزيوني مصري رائع، كانت آخر مشاهده تُعرض، إنه مسلسل “هو الليث بن سعد”، الذي يروي سيرة الفقيه المصري الجليل، صاحب الخير والعلم الأصيل، الذي زهد في الدنيا ووهب حياته لدين الله، فكان محبًّا، عالمًا، فقيهًا، أديبًا، أريبًا.
لقد رفض زخارف الدنيا وعاش مستغنيًا عمّا في أيدي الناس، فأحبه الله وأحبه الناس. في زمن الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور، عُرض عليه أن يكون واليًا على مصر، لكنه استعفى، إذ كان من أولئك الذين طلقوا الدنيا وخافوا الفتن.
خلال تلك الدقائق التي شاهدت فيها اللقطات الأخيرة من هذا العمل الرائع، الذي كتبته عايدة الرباط وأخرجه مصطفى الشال، تبادر إلى ذهني ضرورة مراجعة الأعمال الدرامية التي تُعرض في رمضان، لضمان توافقها مع القيم والتقاليد المصرية الأصيلة، فسرّ قلبي وهدأ خاطري.
تملكني شغف الغوص في سيرة هذا العالم الجليل، الإمام الليث بن سعد، شيخ عصره وأوانه، محدث مصر وعالمها، الذي وُلد في قرقشندة، ونُسب إليه أنه من أصل فارسي من أهل أصفهان، إلا أنه نشأ في مصر، فكان منارتها في العلم والفقه.
لقد كان الإمام الليث رجلاً سخيًّا معطاءً، أغناه الله بالمال، فأحب أن يرى أثر نعمته عليه، لكنه لم يبخل بها. يُروى أن سفينة له وصلت محملة بالعسل، فجاءته عجوز تحمل وعاءً صغيرًا تطلب شيئًا منه، فطلب أن تُعطى برميلًا كاملًا، قائلاً: “هي طلبت بقدرها، ونحن أعطيناها بقدرنا”.
لقد أدرك التابعون فضل الليث، فقال عنه ابن بكير: “لم أرَ مثل الليث”. وكان معاصرًا للإمام مالك، وقدّره العلماء جميعًا. قال سعيد بن أبي أيوب: “لو اجتمع مالك والليث، لكان مالك عند الليث أخرس، ولباع الليث مالكًا فيمن يزيد”، رغم أن الإمام مالك كان إمام المدينة وعالمها.
إلى مصر جاء الإمام الشافعي، لينهل من علوم الحديث على يد الليث، فكان هذا الإمام مؤسس المدرسة المصرية في الفقه، التي تميّزت بغزارة علمها وأصالتها، مثلما تميزت مصر بقراءتها للقرآن بالطريقة المصرية الفريدة.
ومن فطنته وفقهه، ما حدث مع هارون الرشيد، حين غضب وطلق زوجته زبيدة قائلاً: “أنت طالق إن لم تدخلي الجنة”. أفتى له علماء بغداد بأن الطلاق قد وقع لا محالة، لكنه لم يرضَ إلا بسماع رأي الإمام الليث، الذي عندما حضر سأله بصراحة: “أخبرني، يا أمير المؤمنين، هل ذكرت الله يومًا خاليًا، ففاضت عيناك؟” فأقسم الرشيد أنه فعل ذلك مرارًا. عندها قال الليث: “افتح المصحف على سورة الرحمن، واقرأ: (ولمن خاف مقام ربه جنتان)”، فاستبشر الرشيد، إذ بشّره الليث بأن زبيدة لا تزال زوجته، وأقرّ العلماء بصحة فتواه.
تذكرت حينها قول عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: “لأن أدمع من خشية الله، خيرٌ لي من أن أتصدق بألف دينار”. وسلام على من قال: “لا يلج النار رجلٌ بكى من خشية الله”.
فسلام عليك، يا فقيه مصر وعالمها، يا من فُقتَ في علمك الإمام مالك، لولا أن تلامذتك لم يحفظوا علمك كما حفظ تلامذة مالك علومه. قال الإمام الشافعي: “الليث أفقه من مالك، إلا أن أصحابه لم يقوموا به”.
يا مصر، طوبى لكِ بعلمائك الأجلّاء، وطوبى لنا بعالم جليل مثل الليث بن سعد، الذي كان بحق هبة من الله لمصر وشعبها، كما كان نهر النيل هبةً لمصر عبر العصور. ستبقى مصر، بإذن الله، ولّادة للعلماء، الذين ينثرون نور الدين والعلم في أرجاء العالم.