الدكتور ناصر الجندي يكتب : وداعا الأنبا باخوميوس

بقلم الدكتور ناصر الجندي

    ببالغ الحزن والأسى، ودعت الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، بل ومصر بأسرها، نيافة الحبر الجليل الأنبا باخوميوس، مطران البحيرة ومطروح والخمس مدن الغربية، ورئيس دير القديس مكاريوس السكندري بجبل القلالي، الذي انتقل إلى الأمجاد السماوية عن عمر ناهز 90 عامًا، بعد حياة حافلة بالعطاء والخدمة.

  لقد كان الأنبا باخوميوس مثالًا حيًا للراعي الصالح، الذي يبذل نفسه في سبيل خدمته وشعبه. وُلد في 17 ديسمبر 1935، وترهّب في دير السريان بوادي النطرون باسم الراهب أنطونيوس السرياني في 11 نوفمبر 1962. منذ خطواته الأولى في الحياة الرهبانية، كان يحمل قلبًا ملتهبًا بمحبة الله والإنسان، ويشهد له الجميع بروحه المتواضعة وأخلاقه الرفيعة.

   تدرّج الأنبا باخوميوس في الخدمة الكنسية، حيث سيم أسقفًا في 12 ديسمبر 1971، وكان من أوائل الأساقفة الذين رسمهم مثلث الرحمات البابا شنودة الثالث بعد تجليسه على الكرسي المرقسي. وفي عام 1990، رُقي إلى رتبة مطران، ليواصل قيادة إيبارشية البحيرة ومطروح والخمس مدن الغربية بروح المحبة والتفاني.

   لم يكن الأنبا باخوميوس مجرد أسقف أو مطران، بل كان أبًا حقيقيًا للجميع، يشاركهم أفراحهم وأحزانهم. عمل جاهدًا على ترسيخ قيم المحبة والتسامح، وكان دائمًا قريبًا من الناس، يستمع إليهم ويقدم لهم النصيحة بروح الأبوة. اشتهر بمواقفه الحكيمة خلال فترة قيامه مقام البطريرك بعد نياحة البابا شنودة الثالث، حيث أدار الكنيسة في تلك المرحلة الدقيقة بحكمة فريدة واستطاع أن يحافظ على وحدتها.

3022

   امتدت خدمة الأنبا باخوميوس لأكثر من 70 عامًا، منها حوالي 54 عامًا في الخدمة الأسقفية. وخلال هذه السنوات، نجح في تربية أجيال من الخدام والكهنة والأساقفة، كان من أبرزهم قداسة البابا تواضروس الثاني. وقد ترك بصمة واضحة في حياة كل من التقى به، بفضل بساطته ورؤيته الروحية العميقة.

   برحيله، فقدت الكنيسة عمودًا من أعمدتها الراسخة، ورمزًا للعطاء والتفاني في الخدمة. سيظل إرثه الروحي والتعليمي منارة تضيء دروب الأجيال القادمة، وسيبقى اسمه محفورًا في قلوب كل من عرفه وتتلمذ على يديه.

   أقيمت صلوات تجنيزه في الكاتدرائية المرقسية بالعباسية، بحضور قداسة البابا تواضروس الثاني والآباء المطارنة والأساقفة، ومجمع كهنة إيبارشية البحيرة، ورهبان دير القديس مكاريوس السكندري بجبل القلالي، وجموع غفيرة من المؤمنين الذين امتلأت بهم الكاتدرائية، حيث اختلطت دموع الفراق بصلوات الرجاء.

   برحيل الأنبا باخوميوس، طويت صفحة مشرقة من تاريخ الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، لكن ذكراه ستظل خالدة، وسيرته العطرة ستبقى نبراسًا للمحبة والعطاء. نطلب من الله أن يسكنه في فردوس النعيم مع القديسين والأبرار، وأن يمنح العزاء لكل القلوب الحزينة على فراقه.

   ولتكن روحه الطاهرة مصدر إلهام لكل من أراد أن يسير على درب المحبة والتضحية. رحم الله الأنبا باخوميوس، وجعل مثواه في النعيم الأبدي.

زر الذهاب إلى الأعلى