قصة قصيرة بقلم الدكتور ناصر الجندي بعنوان “الذئب في ثوب الورع”
بقلم الدكتور ناصر الجندي
في مدرسة النور الثانوية، حيث تتشابك الممرات وتتعدد الفصول، كان السيد جلال عبد التواب يجلس في مكتبه الفخم، محاطاً بآيات قرآنية معلقة على الجدران وكتب دينية مصفوفة بعناية على الرفوف. وكيل المدرسة ذو اللحية البيضاء المشذبة بعناية والجلباب الأبيض الناصع، كان صورة حية لما يُفترض أن يكون عليه المربي المسلم المثالي.
“سبحان الله وبحمده… سبحان الله العظيم”، كان يرددها بصوت جهوري كلما مر في الممرات، مسبحته الكهرمانية تتراقص بين أصابعه، وابتسامته الودودة لا تفارق محياه. لكن خلف هذا القناع المقدس، كان يختبئ شيطان ماكر يجيد حياكة المؤامرات ونسج شباك المكائد.
في أحد الأيام، جاءت السيدة نوال، أرملة فقيرة، تستجدي تخفيض المصروفات المدرسية لابنها أحمد. نظر إليها السيد جلال بعينين تظهران التعاطف، وقال بصوت حنون: “لا تقلقي يا أختاه، سنجد حلاً بإذن الله.” ثم أضاف بعد صمت قصير: “لكن المدرسة تحتاج لبعض الخدمات… ربما يمكنك المساعدة في تنظيف المكاتب الإدارية مساءً… بعد انتهاء اليوم الدراسي.”

كانت تلك بداية سلسلة من الابتزاز والاستغلال. فالسيد جلال كان يجمع حوله شبكة من المتعاونين داخل المدرسة وخارجها. كان يبتز المعلمين الجدد للحصول على “تبرعات” مقابل تقارير الأداء الإيجابية، ويفرض “رسوماً إضافية” على أولياء الأمور الميسورين، بينما يساوم الفقراء منهم على خدمات شخصية.
في هذه الأثناء، كان هناك معلم جديد للغة العربية، الأستاذ مصطفى حسن، شاب في الثلاثينيات من عمره، هادئ الطباع لكنه حاد الذكاء. بدأ يلاحظ أنماطاً غريبة في سلوك الوكيل. كان يرى كيف يتغير صوته ونبرته عندما يخلو المكان من الشهود، وكيف تتحول نظراته الحانية إلى نظرات متوعدة عندما يواجه معارضة.
قرر مصطفى أن يحقق في الأمر سراً. بدأ يجمع الأدلة، يسجل المحادثات، ويوثق الشكاوى من الأهالي والمعلمين. كان يعمل بحذر شديد، يعرف أن خطأً واحداً قد يكلفه وظيفته، أو أسوأ.
في يوم من الأيام، سمع مصطفى صراخاً خافتاً يأتي من مكتب الوكيل. كان صوت السيدة نوال تتوسل للسيد جلال أن يتركها وشأنها، أنها لم تعد تحتمل. وقف مصطفى خلف الباب يسجل كل شيء على هاتفه.
في اليوم التالي، دخل مصطفى مكتب الوكيل حاملاً ملفاً ضخماً. “سيدي الفاضل”، قال بهدوء، “لدي هنا ملف كامل عن كل مخالفاتك. صور، تسجيلات، شهادات موثقة. إما أن تستقيل الآن، أو سيصل هذا الملف إلى إدارة التعليم والنيابة العامة.”
اصفر وجه السيد جلال، وبدأت يداه ترتجفان. حاول استجماع رباطة جأشه: “يا بني، أنت تسيء الظن بي. أنا رجل تقي…”
قاطعه مصطفى: “التقوى في القلب يا سيدي، لا في المظهر والكلام. لديك 24 ساعة لتقديم استقالتك.”
في صباح اليوم التالي، فوجئ الجميع بخبر استقالة السيد جلال “لظروف صحية طارئة”. وعندما غادر المدرسة للمرة الأخيرة، كان لا يزال يحمل مسبحته ويردد: “سبحان الله”، لكن صوته كان مرتعشاً، وعيناه تحملان نظرة الهزيمة.
بعد رحيل السيد جلال، بدأت المدرسة تستعيد توازنها تدريجياً. عادت الابتسامات الحقيقية إلى وجوه المعلمين، وتنفس أولياء الأمور الصعداء. أما السيدة نوال، فقد حصل ابنها على منحة دراسية كاملة، بفضل تدخل الأستاذ مصطفى الذي أصبح وكيلاً جديداً للمدرسة.
في نهاية العام الدراسي، كتب أحد الطلاب على جدار المدرسة: “ليس كل ما يلمع ذهباً، وليس كل من يرفع المسبحة قديساً”. ابتسم مصطفى عندما قرأ العبارة، وقرر تركها معلقة كتذكير دائم لكل من يمر بالمكان.