الدكتور ناصر الجندي يكتب العشر الأوائل من ذي الحجة: أيام الله التي لا تُشبهها أيام

بقلم الدكتور ناصر الجندي

تخيل أن هناك موسمًا قصيرًا، عشر ليالٍ فقط، تفتح فيه أبواب السماء على مصراعيها، ويُعرض عليك ربح لا يُقارن، وجوائز لا تنفد… لا تحتاج فيه إلى مال كثير، ولا إلى سفر طويل، فقط تحتاج إلى قلب يقظ، وعقل متأمل، ونية صادقة. إنه موسم العشر الأوائل من ذي الحجة.

لماذا هي أعظم الأيام؟
الحديث عن فضل هذه الأيام ليس مجرد وعظ تقليدي، بل هو حديث عن أفضل أيام الدنيا كما وصفها النبي ﷺ. في صحيح البخاري، قال رسول الله ﷺ:
“ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام.” قالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: “ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله، ثم لم يرجع من ذلك بشيء.”
هذا ليس فضلًا عاديًا. هذه مقارنة مع الجهاد نفسه، مع أرواح تُبذل في سبيل الله… تخيّل إذًا كم هي عظيمة!

سرّ العظمة: عبادة تجمع الزمان والمكان
في هذه الأيام تجتمع أعظم العبادات:
الصلاة
الصيام
الصدقة
الذكر
الحج
ولا يجتمع هذا في غيرها. إنها أيام تمتلئ بحركة القلوب والأجساد معًا نحو الله. حتى من لم يحج، له نصيبٌ من هذا الفضل.

لماذا نغفل عنها؟
الغريب أن هذه الأيام تمر على كثير من الناس مرورًا باهتًا، بينما لا يكاد أحد يغفل عن العشر الأواخر من رمضان. السبب؟ ربما لأن رمضان ارتبط في أذهاننا بالصيام والقيام، بينما ذي الحجة مرتبط بالحج فقط. ولكن الحقيقة أن العشر الأوائل من ذي الحجة تتفوق في الفضل على العشر الأواخر من رمضان! (باستثناء ليلة القدر، بالطبع).فهل يعقل أن يُعرض علينا موسم أرباح من السماء، ونحن مشغولون بغيره؟

221

كيف نغتنم هذه الأيام؟
1. الصيام: وخاصة يوم عرفة، فقد قال ﷺ:
“صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده.” (رواه مسلم)
2. الذكر: أكثر من قول:
“الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.”
قال ابن عمر وأبو هريرة: كانا يخرجان إلى السوق فيكبران ويكبر الناس بتكبيرهما.
3. قراءة القرآن: اجعل لك وردًا يوميًا، حتى ولو صفحة، ولكن بتدبر.
4. الصدقة: تذكّر أن الله يُضاعف الأجر في هذه الأيام، فاجعل يدك سخية، ولو بالقليل.
5. الدعاء: خصص وقتًا للدعاء، وألحّ على الله بحاجاتك، الدنيوية والأخروية.
6. التوبة: افتح صفحة جديدة، وجدد نيتك، واغسل قلبك من كل شوائب الغفلة.

يوم عرفة: قمة القمم
يوم عرفة، اليوم التاسع من ذي الحجة، ليس يومًا عاديًا. هو اليوم الذي يباهي الله فيه ملائكته بعباده الواقفين بعرفات. وهو أعظم يوم في السنة للدعاء، وفيه تُغفر الذنوب وتُرفع الدرجات. لا تضيّع هذا اليوم، ولو كنت في بيتك، فالدعاء فيه لا يُرد.

العيد: ثمرة الطاعة
ثم تأتي العيد، العاشر من ذي الحجة، ليكون تتويجًا لهذا الموسم. عيد الأضحى ليس فقط ذكرى لقصة الفداء، بل هو فرح الطائعين، وبهجة من اجتهد في عشرٍ عظيمة.

فكرة للتأمل
العشر الأوائل من ذي الحجة هي دعوة مفتوحة من الله لك. يقول لك: “اقترب، أنا أفتح لك أبوابي، أعطيك أضعاف ما تعمله، فقط أخلص النية وابذل الجهد.”
فهل سنعتذر بالانشغال؟ أم ننهض ونلبي النداء؟
اجعل هذه العشر مختلفة. اكتب فيها قصة جديدة مع الله. قصة تبدأ بندم، تمر بدمعة، وتُتوّج برضى.

“وفي كل عام، تأتي هذه العشر كأنها قطار نور، من ركب فيه تغير، ومن غفل عنه بقي في مكانه… فهل نركب؟”

زر الذهاب إلى الأعلى