الخبير التربوي الدكتور ناصر الجندي “أزمة الثانوية العامة: كشف المستور وإعادة التفكير” (2)
متى بدأنا نخاف من الامتحانات؟ نظرة تاريخية على الثانوية في مصر
بقلم الخبير التربوي الدكتور ناصر الجندي
سؤال بريء.. وإجابة موجعة
“ليه بقيت الثانوية العامة مخيفة كده؟!”
سؤال بريء من طالب صغير، لكنه يحمل وجع أجيال. متى تحوّل الامتحان إلى كابوس؟ متى أصبحت الثانوية العامة شبحًا يلاحق الأسر والطلاب؟ هل كانت كذلك دائمًا؟ أم أن هناك لحظة ما في التاريخ بدأنا فيها، كمجتمع، نخاف من ورقة الامتحان أكثر مما نخاف من الفشل في تربية العقل والوجدان؟
في هذا المقال، نعود خطوة إلى الوراء، لنفهم متى وكيف بدأ هذا الذعر الجماعي. فلفهم أزمة اليوم، لا بد من قراءة جذورها بالأمس.
من الكُتاب إلى الثانوية: الطريق الطويل للتعليم العام
في مصر القديمة، كان التعليم حكرًا على أبناء الكهنة والنخبة. ثم جاء الإسلام، فانتشر التعليم الديني في الكتاتيب. وبعد الاحتلال العثماني، ظل التعليم نخبويًا، محصورًا في حلقات علمية دينية. لم يكن هناك شيء يُشبه “الثانوية العامة” التي نعرفها.
حتى جاء محمد علي باشا في القرن التاسع عشر، فأسس نظامًا تعليمياً مدنياً حديثًا. أنشأ المدارس، وأرسل البعثات إلى أوروبا، وبدأ لأول مرة الحديث عن امتحانات رسمية تُحدد الانتقال من مرحلة إلى أخرى. لكن هذه الامتحانات كانت محدودة النطاق، موجهة أساسًا لإعداد موظفين للدولة أو عسكريين للجيش.
أما التحول الكبير فجاء مع الخديوي إسماعيل، الذي أراد أن يجعل من مصر “قطعة من أوروبا”. فأنشأ “مدرسة المعلمين العليا”، و”مدرسة الحقوق”، وظهرت الحاجة إلى شهادة عامة تؤهل للدخول إلى الجامعة أو سوق العمل. وهنا، بدأت ملامح الثانوية العامة في التشكل.
ميلاد الرعب: الامتحان في زمن الاستعمار
في أوائل القرن العشرين، وتحت الاحتلال البريطاني، صار التعليم أكثر تنظيمًا، وظهر “امتحان الثقافة العامة” كشرط لدخول الجامعة المصرية التي تأسست عام 1908. ومع الوقت، تطور هذا الامتحان إلى ما عرف لاحقًا بـ”امتحان التوجيهية”، ثم “الثانوية العامة”.
وهنا بدأت ملامح الخوف. لماذا؟ لأن هذا الامتحان فُرض على مجتمع لا تزال فرصه محدودة، وحراكه الاجتماعي ضعيف، ومؤسساته التعليمية غير عادلة. فصار الامتحان هو الفلتر الوحيد، الضيق، الذي تمر منه القلة، وتسقط فيه الأغلبية.

عبد الناصر والثانوية المجانية: صعود الحلم الشعبي
جاءت ثورة 1952، فحملت شعار “التعليم للجميع”. وأطلق عبد الناصر مشروع التعليم المجاني، وصارت الجامعة حقًا لكل من يجتاز الثانوية العامة.
في الظاهر، هذا إنجاز عظيم. لكنه في العمق، رفع من قيمة الثانوية العامة إلى درجة أسطورية. فقد أصبحت مفتاح الجامعة، ومن ثم مفتاح الوظيفة، والسكن، والزواج، والمستقبل كله.
وهكذا، لم تعد مجرد شهادة، بل معركة مصير يخوضها كل بيت مصري. ومن هنا، بدأ الخوف الحقيقي، والتضخيم المجتمعي، والرهبة الجماعية.
السبعينات والثمانينات: من الدولة إلى السوق
مع الانفتاح الاقتصادي في السبعينات، بدأ التراجع التدريجي لدور الدولة في ضمان الوظيفة، ومعه بدأ الانهيار الهادئ لوعود الثانوية العامة. ومع ذلك، ظل الناس يتمسكون بها كطوق نجاة.
زاد عدد الطلاب، وتضخمت أحلام الدخول إلى كليات “القمة”، ومعها تفجّرت سوق الدروس الخصوصية، وبدأ الطالب يُعامَل كزبون، والمجموع صار عملة متداولة.
وهنا تحوّل الامتحان إلى ماراثون تجاري ونفسي. الطالب فيه مرهق، والمعلم مثقل، والأسرة تحت ضغط مالي وعصبي، والدولة تائهة بين إصلاح لا يكتمل، وموروث لا يُمس.
الألفية الجديدة: التقنية تدخل.. والعدالة تغيب
في العقدين الأخيرين، دخلت التكنولوجيا ساحة التعليم، وأُجريت محاولات متعددة لتغيير شكل الثانوية العامة: من سنة واحدة إلى سنتين، ثم العودة، ثم تابلت، ثم بوكليت، ثم مفاهيم، ثم تصحيح إلكتروني…
لكن مع كل تغيير في الشكل، ظل الجوهر على حاله: امتحان مصيري واحد، ومجموع قاطع، وفرص محدودة، وعدالة غائبة.
وهكذا، ترسخ في عقل الطالب فكرة أن أي خطأ – ولو في كلمة – قد يُطيح بحلمه، ويُشوه صورته أمام أسرته ومجتمعه. وصار الخوف ليس فقط من الامتحان، بل من وصمة الفشل الاجتماعي.
لم نخَف من الامتحانات.. بل مما جعلناه منها
الامتحان أداة تقييم، لا أكثر. لم يكن يومًا عدوًا، بل الطريقة التي صاغه بها المجتمع والدولة والإعلام هي ما جعلته مرعبًا.
إننا لم نعد نخاف من “الأسئلة”، بل مما تمثله تلك الأسئلة:
هل ستضمن لي مستقبلي؟
هل سأفخر بنفسي أمام الناس؟
هل سأحقق حلم أبي وأمي؟
هل سأصبح شيئًا في هذا العالم، أم لا شيء؟
هذه ليست أسئلة علمية، بل أسئلة وجودية. وهنا يكمن الخطر الحقيقي.