الدكتور ناصر الجندى يكتب قصة قصيرة بعنوان “حين سقط القناع”

بقلم الدكتور ناصر الجندي

 كانت الأستاذة ندى بداية جديدة في مدرسة تُعرف بالجمود والروتين. شابة طموحة تحمل روحًا من التفاؤل والتجديد، لكن حماسها سرعان ما اصطدم بجدار وكيل المدرسة منصور، الذي كان يراقبها بعينٍ حذرة منذ اليوم الأول.
منصور، بشخصيته التي تخلط بين التدين الزائف وجنون العظمة، كان يحب أن يكون محور الاهتمام، وعندما ظهرت ندى بحيويتها وكفاءتها، شعر وكأنها تسحب الأضواء منه. لكنه بدلاً من مواجهتها مباشرة، قرر الاقتراب منها بأسلوبه الخاص، مستغلًا سلطته كوكيل.
في أحد الأيام، وبينما كانت ندى جالسة في غرفة المعلمين، اقترب منصور بابتسامة وادّعى أنه يريد أن يساعدها في التأقلم مع أجواء المدرسة. قال بصوته الهادئ المصطنع:
“ندى، أحب طريقتك في التدريس، وأرى أنك تمتلكين موهبة كبيرة. أعتقد أن لدينا الكثير لنتعلمه من بعضنا.”
شكرت ندى بكلمات مقتضبة، لكنها شعرت بشيء غريب في نبرة صوته ونظراته. ومع مرور الأيام، بدأ منصور يظهر اهتمامًا مبالغًا به. كان يتعمد الوقوف بجانبها، ويوجه إليها كلمات تبدو لطيفة، لكنها تحمل معاني أخرى. مرةً قال لها:
“ندى، العمل هنا قد يكون صعبًا أحيانًا، لكن لا تقلقي، طالما أنا موجود، سأهتم بكل شيء.”
بدأت ندى تشعر بالضيق، خاصة مع ازدياد محاولاته “الودية”، فقررت أن تضع حدًا للأمر. في أحد الأيام، عندما حاول منصور الحديث معها بشكل شخصي في مكتبه، قالت له بحزم:
“أستاذ منصور، أنا هنا للعمل فقط، وأفضّل أن نبقي علاقتنا في إطار العمل المهني.”
كان ردها بمثابة صفعة لكرامته المتضخمة. تغيرت نظراته فورًا من الابتسام إلى الجمود. خرجت ندى من المكتب دون أن تعطي للأمر أهمية كبيرة، لكنها لم تكن تعلم أن هذه اللحظة ستكون بداية معركتها معه.

ناصر 200000000منذ ذلك اليوم، تحول منصور إلى عدو صريح. بدأ يتحدث عنها أمام الزملاء بشكل مبطن، مشيرًا إلى أنها لا تلتزم بأخلاقيات العمل. في أحد الاجتماعات، قال:
“للأسف، هناك بعض الممارسات التي لا تتناسب مع قيم مدرستنا. لن أذكر أسماء، لكن بعض المدرسات الجدد بحاجة إلى توجيه أخلاقي.”
تطورت الأمور عندما قام منصور بتلفيق شكوى رسمية ضد ندى، متهمًا إياها بالإهمال والتقصير في تدريس الطلاب. وصلت الشكوى إلى المدير، الذي قرر التحقيق في الأمر. شعرت ندى بالصدمة، لكنها رفضت التراجع أو الانكسار.
“هذا افتراء واضح، وأنا مستعدة لمواجهة أي ادعاء بحقائق.” قالت للمدير بحزم.
بدأ التحقيق، وسرعان ما ظهرت الحقيقة. استمع المدير لطلابها، الذين أشادوا بأسلوبها، وزملائها، الذين أكدوا أنها كانت نموذجًا للالتزام والإبداع. وفي النهاية، اتضح أن شكوى منصور كانت مجرد أكاذيب، بدافع الانتقام.
في مواجهة مع المدير والزملاء، حاول منصور التهرب من المسؤولية، لكن الزملاء الذين سئموا من تصرفاته قرروا التحدث. كشفوا عن تاريخه الطويل من الكذب والمكائد. لم يجد منصور شيئًا ليقوله سوى أن يكرر جملته المعتادة:
“أنا أفعل هذا لمصلحة المدرسة! لا أحد يعرف المصلحة مثلي!”
بعد المواجهة، تم إعفاء منصور من منصبه وتحويله للتحقيق الإداري. خرج من المدرسة في ذلك اليوم، لكن عقله كان قد بدأ ينهار. أصبح يهيم في الطرقات، يكرر بصوت مرتعش:
“والنبي أنا صح… والنبي أنا الزعيم…”
أما ندى، فقد أصبحت رمزًا للصمود في وجه الظلم، واستمرت في عملها، مدركة أن الحق يعلو مهما حاول أصحاب الأقنعة إخفاءه.

زر الذهاب إلى الأعلى