الخبير التربوي الدكتور ناصر الجندي عن “أزمة الثانوية العامة: كشف المستور وإعادة التفكير” (5)
المدرس الخصوصي: تعليم أم تجارة مفروضة؟
بقلم الخبير التربوي الدكتور ناصر الجندي
مهنة في الظل ونظام موازٍ
لم يعد مشهد الطالب الذي يُحمَل على عجل من درس إلى آخر غريبًا، ولا ازدحام الميكروباصات أمام مراكز الدروس، ولا شكاوى الآباء من “نزيف الدروس” أمرًا استثنائيًا.
بل باتت الدروس الخصوصية جزءًا رسميًا من المنظومة غير الرسمية.
هنا، يظهر المدرس الخصوصي لا كداعٍ للعلم، بل كـ”منقذ” – أو “تاجر” – في سوق مفتوح على مصراعيه.
لكن، هل هذه الظاهرة هي نتيجة فشل التعليم الرسمي؟
هل هي استجابة لحاجة حقيقية أم فرضٌ واقع؟
وهل المدرس الخصوصي يؤدي رسالة أم يمارس تجارة؟
في هذا المقال، نحاول الاقتراب من الإجابة بجرأة دون شيطنة، وبتفهم دون تبرير.
البدايات: حين كان المدرس رمزًا
في عقود سابقة، كان المدرس في المدرسة هو المصدر الوحيد للعلم.
كان يُنظر إليه باحترام، وكانت حصته كافية، وشرحه مفهوم، وهيبته حاضرة.
وكان من النادر أن يحتاج الطالب لشرح خارجي إلا في حالات استثنائية.
لكن شيئًا ما تغيّر…
• ازدادت الكثافة داخل الفصول
• تآكلت أجور المعلمين
• سقطت المدرسة تدريجيًا من حسابات الطالب
• وصعد نجم “الدرس الخصوصي” كبديل، أولاً، ثم كـ”إلزام” بعد ذلك
وبذلك، تحول التعليم إلى سوق مزدوج:
واحد رسمي بلا روح، وآخر موازي بكل الزخم… لكنه مدفوع الثمن.
مراكز الدروس: أكاديميات التعليم الموازي
لم تعد الدروس الخصوصية مجرد حصة في المنزل، بل أصبحت صناعة ضخمة لها:
• مراكز مشهورة يُنفق عليها ملايين
• مدرسون نجمهم في صعود، يُعاملون كـ”مؤثرين”
• حملات دعائية تبدأ من الصيف
• أنظمة اشتراك، ومقاعد محجوزة، ومستويات VIP
بعض هذه المراكز يستقبل آلاف الطلاب، ويُدرّبهم ليس على الفهم، بل على “فن اصطياد الامتحان”.
هنا لا مكان للتربية، ولا وقت للأسئلة، ولا جدوى من الحيرة.
إنه تعليم موجه لهدف واحد: الدرجة، ثم الدرجة، ثم الدرجة.
من المسؤول؟
المدرس الخصوصي ليس المذنب الوحيد، بل هو – في الغالب – جزء من نظام أكبر انهار:
• الدولة التي لم تُوفر بيئة تعليمية حقيقية داخل المدارس
• المدرسة التي أصبحت مجرد مبنى إداري
• المعلمون الذين ضُربوا في هيبتهم، وأُهينوا في رواتبهم
• الأهالي الذين خضعوا للضغط المجتمعي
• الطلاب الذين وجدوا أنفسهم مطالبين بإنجاز في وقت ضيق دون أدوات
الكل دفع نحو الخصوصي، حتى صار البديل الوحيد، لا مجرد خيار.
بين الرسالة والسلعة
يقول البعض: “هناك مدرسون أكفاء، يشرحون بإخلاص، وينقذون طلابًا حقيقيين”.
ونحن لا ننكر ذلك، بل نؤكد عليه.
لكن، في المقابل، تحوّل بعض “النجوم” إلى تجار حقيقيين:
• يُعامل الطالب كـ”زبون”
• يُقاس النجاح بعدد الحضور لا بمدى الفهم
• تُباع الملازم بأسعار فلكية
• تُفتح صفوف في وقت متأخر لتحقيق ربح أعلى
• تُستخدم وسائل الجذب غير التربوية: إضاءة – مؤثرات – موسيقى – عروض بداية السنة
وبذلك، تآكل الخط الفاصل بين التعليم والتسويق، وبين الرسالة والمكسب، حتى لم نعد نعرف:
هل الطالب هنا يتعلم؟ أم يشتري خدمة مؤقتة تنتهي بعد الامتحان؟
من يدفع الثمن؟
من يدفع الثمن الحقيقي؟
الأسرة بالطبع، ثم الطالب، ثم المجتمع بأسره.
• الأسرة تُرهَق ماديًا بشكل متزايد، وقد تلجأ إلى قروض أو مدخرات أو حرمان من ضرورات الحياة.
• الطالب يُحمَّل فوق طاقته، يعيش في حالة دائمة من الإرهاق الذهني، يدرس في أكثر من مكان، وأحيانًا لا يفهم في أيهم، ويكبت إبداعه ليحفظ “النموذج”.
• المجتمع يخسر طلابًا كان يمكن أن يكونوا مبدعين، لو لم يُربَّوا على ثقافة “كيف أجيب الدرجة؟” بدلًا من “كيف أفهم؟”
وجه آخر للعملة
لكن… هل من العدل أن نُدين المدرس الخصوصي دائمًا؟
ماذا عن:
• مدرس يعمل في مدرسة بـمرتب لا يكفي أجرة المواصلات
• مدير يضغط عليه ليحقق “نتائج”، لا ليفهم الطلاب
• مناهج متراكمة وزمن حصص غير واقعي
• طلاب منهكون وأهالٍ غاضبون
• بيئة مدرسية طاردة بلا أدوات
أمام كل ذلك، يرى بعض المعلمين أن الدروس الخصوصية ليست تجارة، بل وسيلة بقاء، أو على الأقل محاولة لاستعادة كرامة مهنية ضائعة.
هل من بديل؟
البديل ليس منع الدروس بالقوة، بل استعادة التعليم الحقيقي داخل المدرسة.
وذلك لن يتم إلا من خلال:
1. رفع أجور المعلمين رسميًا بما يكفيهم عن اللجوء للخصوصي.
2. تقليل كثافة الفصول وتحديث طرق الشرح والوسائل التعليمية.
3. إعادة الاعتبار لحصة الفصل وجعلها مركز التعليم.
4. إعادة بناء الثقة بين الطالب والمدرس والمدرسة.
5. فرض رقابة حقيقية على مراكز الدروس ومنع الاستغلال المادي.
إن الدرس الخصوصي ليس “شيطانًا”، لكنه دليل صارخ على عطب في النظام التعليمي كله.
درس يجب أن نتعلمه
المدرس الخصوصي هو عَرَض لمرض أعمق.
تجده في البيت والمدرسة والمركز والشارع… لأن المنظومة كلها خذلت الطالب، فاحتمى به.
فهل نصلح المنظومة، أم نواصل العيش في عالم تعليمي مزدوج:
واحد على الورق، وآخر في الظل… نُدين أحدهما، ونعيش بالآخر؟