
انشروا الفضائل
علو الهمة
بقلم : د. فاطمة رجب الباجوري
المسلم الحق عالي الهمة، ترقى نفسه دائما إلى معالي الأمور، ليس طلبا للجنة فحسب، بل شكرا لله تعالى ـ على ما منحه من عطايا، فإن أمة يقوم نبيها أكثر من نصف الليل حتى تتفظر قدماه وتتشقق من كثرة الوقوف بين يدي ربه، وعندما يسأل:”لم تصنع هذا يا رسول الله، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: أفلا أحب أن أكون عبدا شكورا” (رواه البخاري). إن أمة هذا حال نبيها لا يصلح في حقها إلا علو الهمة.
وعلو الهمة مطلوب منك في أمور الدنيا والآخرة، فأنت مطالب أن تجتهد في عملك، وما وُكِل إليك من أمور الدنيا؛ لتؤديها على أكمل وجه، فإن الله يحب من المسلم إتقان العمل، كما أنك مطالب أن تكون عالي الهمة في العبادة والطاعات وأبواب الخير على اختلافها. وإياك ثم إياك أن تجعل كل همتك في أمور الدنيا، على حساب دينك وعبادتك لربك فإن هؤلاء يخسرون الدنيا والدين معا، فعن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ «مَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ، فَرَّقَ اللَّهُ عَلَيْهِ أَمْرَهُ، وَجَعَلَ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا مَا كُتِبَ لَهُ، وَمَنْ كَانَتِ الْآخِرَةُ نِيَّتَهُ، جَمَعَ اللَّهُ لَهُ أَمْرَهُ، وَجَعَلَ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ» ( رواه ابن ماجه).
ثم إياك أيها القارئ الحبيب أن يمن الله تعالى عليك بالعديد من النعم كالذكاء والفطنة وقوة الحفظ، وغير ذلك من عطايا الله تعالى لك، ثم تهمل كل هذه النعم ولا تستعملها في طلب العلم الشرعي، وغير الشرعي، وحفظ كتاب الله تعالي.
وانظر إلى قول المتنبي: ولم أر في عيوب الناس شيئا … كنقص القادرين على التمام
فلتكن همتك كهمة عمر بن عبد العزيز، فقد روي عنه أنه قال: “إن لي نفساً تواقة، تاقت إلى فاطمة بنت عبد الملك فتزوجتها، وتاقت إلى الإمارة فوليتها، وتاقت إلى الخلافة فأدركتها، وقد تاقت إلى الجنة فأرجو أن أدركها إن شاء الله عز وجل” ، ووالله إذا خلصت النوايا، حقق الله لك كل ماتريد، مادمت لا تريده إلا لله. وإنه لمن أجمل ما قرأت في علو الهمة قول ابن الجوزي في صيد الخاطر:” أحفظ أنفاسي من أن يضيع منها نفس في غير فائدة”، فاحفظ أنفاسك، واحفظ أوقاتك، من الخوض فيما لا يفيد، وخذ بنصيحة أبي العلاء المعري حين يقول: ولا تجلس إلى أهل الدنايا فإن خلائق السفهاء تعدي
فبادر بالبعد عن أهل الدنايا في هذه الأيام الفارقة في شهر رمضان، واجتهد في الطاعة والصيام والقيام، واقرأ في سيرة نبيك وصحابته، وسير علماء الأمة، فهي خير دافع لك في المضي قدما مع علو الهمة، وقديما قال العلماء: “همتك فاحفظها؛ فإن الهمة مقدمة الأشياء، فمن صلحت له همته، وصدق فيها صلح له ما وراءها من الأعمال والأحوال“