*د.فاطمة رجب تكتب لبوابة عاجل مصر :الوَجَل … وموت الشيخ عبد الله كامل

فُجِعَتْ الأمة الإسلامية بأكملها بموت الشيخ الجليل ( عبد الله كامل )، ولا أعلم لماذا سيطرت على قلبي فكرة: (سبب وفاة هذا الشاب الرباني الذي عاش بالقرآن ومات عليه )؟

 فدفعني الفضول لمعرفة سبب وفاته إلى الاستماع للتسجيل الذي سجله صديقه الشيخ مصطفى أبوسيف، وقال فيه: إن الشيخ عبد الله كامل صلى بالناس الفجر، ثم اصطحبته إلى بيتي بجوار المسجد، وجلسنا سويا نقرأ القرآن ونتدارسه إلى وقت الظهر، ويقول: كنا نضحك مرة ونبكي أخرى، إلى أن قرأنا لطائف في سورة التكوير فقرأ وبكى بكاء شديدا، ومن الخواطر التي قرأناها خاطرة عن سن الأربعين، ومن بلغ سن الأربعين، يقول الشيخ  مصطفى: ورأيته يقرأ وهو يهتز فقلت لعلك بلغت الأربعين أو جاوزت، فقال لا: لم أبلغ بعد‘ قلت: كم؟ قال: تسعا وثلاثين. فقلت: هذا يعني أنك جاوزت الأربعين بالتاريخ الهجري، فقال: احسب كم عمري بالسنة الهجرية؟ فقلت له: أربعين عاما وخمسة أشهر.

 وهنا انتبهوا جيدا ماذا قال الشيخ مصطفى ؟

قال: ( فتأثر لذلك، وبدا التأثر على صفحات وجهه ) يقول الشيخ فمازحته، وقلت له معناه يا شيخ أنك ستموت فاستعد، قال لي: كلنا سنموت ).

وأنا والله لا أرى أن هذه الكلمات قد مرت على قلب الشيخ عبد الله كامل، مرور الكرام ، كما يقولون، فكلنا يعلم خشية الشيخ ووجله، فقد قلَّ أن تراه يصلي دون أن يبكي بكاء شديدا خشية من ربه عند تلاوة القرآن.

وكأني بالشيخ حين خَلَد إلى فراشه للنوم، يخاطب نفسه قائلا: لقد بلغتِ الأربعين، فماذا أعددت للقاء ربك؟! وأخذته الخشية من لقاء ربه، وسرى الخوف والوجل إلى نفسه، وأخذ يناجي ربه قائلا: 

               يارب ما أعددت زادا للسرى … فأنا المقل المرمل المتضور .

                 تالله ما قدمت شيئا غير أني … مذنب، متباطئ، متعسر.

                أنا في العبادة واهن متكاسل … وعن المعالي قاصر متقاصر.

               أتعجل الشهوات في دنيا الهوى … وأُسوِّف التوبات ثم أؤخر. 

                أنا فـــي أداء رسالتي متلعثـــم … متأخر في دعوتي ومقصر.

               أنا عاجز عن نشر علم، عاجز … عن دفع ظلم، إن عظمي خائر.

ففاضت روحه الطاهرة، خوفا وشفقة وخشية ووَجَلًا من لقاء ربه .

وهذه الأبيات جزء من قصيدة نظمها الشيخ عبد الله كامل، منذ عدة شهور عندما أشيع أنه مات، وكان حيا.

  واستحضرت قول الله تعالى في كتابه العزيز: “َالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ”[المؤمنون: 60]، وكأنها نزلت في الشيخ عبد الله كامل.

 وقد جاء في تفسيرها:«قال سعيد بن جبير: يعطون ما أعطوا وقلوبهم وجِلة خوفًا من الحساب والموقف، وقال مجاهد: يخافون ألا يتقبل منهم. وقال الحسن: كانوا يخافون ألا تنجيهم أعمال البر من عذاب ربهم وألا يتقبل منهم »(أحكام القرآن لبكر بن العلاء)

 ولعل كل هذه التفسيرات دارت في نفس شيخنا الجليل، فقد كان خائفا من حساب ربه له، وَجِلا ألا يتقبل الله عمله، مشفقا ألا ترقى به حسناته للنجاة من عذاب النار.

 ولم يكن الشيخ عبد الله كامل وحده من يتهم نفسه بالتقصير مع كثرة العبادة، فهذا دأب الصالحين من عباد الله تعالى، فأغلب الصحابة على الرغم من صلاحهم وكثرة عبادتهم، كانوا يتهمون أنفسهم بالتقصير، ويخافون من لقاء ربهم، حتى أثر عن سيدنا أبي بكر أنه قال: ( وددت أني كنت خضرة تأكلني الدواب )، وكان عمر يقول: ( يا ليتنى لم أك شيئًا، يا ليت أمى لم تلدنى)، وكانت السيدة عائشة تقول عند موتها: (وددت أنى كنت نسيًا منسيًا).

وقد شهد بصلاح الشيخ  عبدالله كامل جمعا كبيرا من المسلمين، كما شهدوا له: بالهمة في عبادة الله تعالى، والدعوة إليه، ولكن المؤمن الحق هو الذي لا يرضى عن نفسه ويظل خائفا من لقاء الله تعالى. فقد وصف الله تعالى المؤمنين بقوله:” :” إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون ” [الأنفال: 2].فهذا الخوف والوجل من المؤمنين؛ لأنهم عرفوا الله حق المعرفة؛ فأعطوه قدره من الهيبة والخشية والحب والإجلال، فصدق فيهم قول الله تعالى:” إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ” [فاطر: 28]

فإذا كان هذا حال الشيخ الذي ختم كتاب ربه 24 مرة ثم تعلل لتقصيره بقوله: (ختمت القرآن هذا العام 24 مرة فقط، فوالله ماشغلني إلا كثرة الأسفار).

  فماذا عنا ونحن لا ننظر في القرآن إلا في شهر رمضان، وبعضنا يبدأ متحمسا فيقرأ الجزء أو الجزءين ثم لا يكمل القراءة،  حتى صدق فينا قول الحق – سبحانه وتعالى –  على لسان نبيه: 

يارب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا”[الفرقان: 30] 

أسألك ربي أن تردنا إليك ردا جميلا، وأن ترحم الشيخ عبد الله كامل رحمة واسعة، فقد كان تاليا لكتابك، متدبرا له، محبا لرسولك ، مدافعا عنه وعن سنته، وجلا من لقائك، فاللهم شفع فيه القرآن، والصيام والقيام.وارزقنا جميعا خاتمة حسنة ترضى بها عنا ياكريم. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

*وكيل كلية الدراسات الإسلامية والعربية. بنات. جامعة الأزهر- القاهرة

زر الذهاب إلى الأعلى