
تقرض ألسنتهم وشفاههم بمقاريض من حديد
بقلم / محمـــد الدكـــروري
الحمد لله إقرارا بوحدانيته، والشكر له على سوابغ نعمته، اختص بها أهل الصدق والإيمان بصدق معاملته، ومن على العاصي بقبول توبته، ومد للمسلم عملا صالحا بوصيته، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في ربوبيته وألوهيته، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المفضل على جميع بريته، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه وذريته، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد ذكرت كتب السيرة النبوية الشريفة الكثير عن رحلة الإسراء والمعراج وفي رواية للإمام مسلم تقول ” ثم عرج بالنبي صلى الله عليه وسلم بصحبة جبريل إلى السماء الدنيا، فإستفتح جبريل، فسُئل عمن معه؟ فأخبر أنه محمد صلى الله عليه وسلم، ففتح لهما وهكذا سماء بعد سماء، حتى إنتهيا إلى السماء السابعة، فلقيا في السماء الأولى آدم عليه السلام.
وفي الثانية يحيى وعيسى عليهما السلام، وفي الثالثة يوسف عليه السلام، وفي الرابعة إدريس عليه السلام، وفي الخامسة هارون عليه السلام، وفي السادسة موسى عليه السلام، وفي السابعة إبراهيم عليه السلام، وقد ثبت في السنة الصحيحة أن نبينا صلوات الله وسلامه عليه صلى بإخوانه الأنبياء عليهم السلام إماما في رحلة الإسراء والمعراج عند بيت المقدس، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ” وقد رأيتني في جماعة من الأنبياء، فإذا موسى قائم يصلي، فإذا رجل ضرب جعد كأنه من رجال شنوءة، وهي قبيلة مشهورة من صفاتهم أنهم شداد طوال القامة، وإذا عيسى ابن مريم عليه السلام قائم يصلي أقرب الناس به شبها عروة بن مسعود الثقفي، وإذا إبراهيم عليه السلام قائم يصلي أشبه الناس به صاحبكم ويعني نفسه صلى الله عليه وسلم،
فحانت الصلاة فأممتهم” رواه مسلم، وقد اختلف العلماء هل كانت تلك الصلاة قبل عروج النبي المصطفي صلى الله عليه وسلم إلى السماء أم بعد أن هبط منها، والراجح هو قبل عروجه إلى السماء، حيث قال ابن حجر ” قال عياض يحتمل أن يكون صلى بالأنبياء جميعا في بيت المقدس، ثم صعد منه إلى السماوات ويحتمل أن تكون صلاته بهم بعد أن هبط من السماء فهبطوا أيضا والأظهر أن صلاته بهم ببيت المقدس كان قبل العروج” وقال ” قال الإمام البيهقي وصلاتهم في أوقات مختلفة وفي أماكن مختلفة لا يرده العقل، وقد ثبت به النقل، فدل ذلك على حياتهم، قلت وإذا ثبت أنهم أحياء من حيث النقل، فإنه يقويه من حيث النظر كون الشهداء أحياء بنص القرآن، والأنبياء أفضل من الشهداء” وروى الإمام ابن جرير في تفسيره والبيهقي والحاكم من حديث أبي هريرة.
” أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى على قوم تقرض ألسنتهم وشفاههم بمقاريض من حديد كلما قرضت عادت كما كانت، لا يفتر عنهم من ذلك شيء، فقال ما هذا يا جبريل؟ فقال هؤلاء هم خطباء الفتنة يقولون ما لا يَفعلون، وهذه المرئية تتعلق بسلوك الدعاة، وأنهم لا بد أن تتوافق أفعالهم مع أقوالهم، وأنه إذا انفصلت الكلمة عن السلوك وتباينت عنه، كان ذلك وحده كافيا للإعراض عن دعوتهم، وعدم الالتفات إلى أقوالهم ” يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله ان تقولوا ما لا تفعلون ” وخطباء الفتنة أيضا هم خطباء رغبة ورهبة يخشون الناس، ويطمعون فيما في أيديهم، ويقولون ما لا يرضى، دونما نظر إلى شرعة الحق وسنة سيد الخلق صلى الله عليه وسلم، وأمثلة ذلك كثيرة في واقع المسلمين اليوم من تحليل للحرام، وتعطيل لحدود الله، وتزكية للفاسقين.
ومجالسة للظالمين، وكلا الصنفين علماء سوء وخطباء فتنة، ومن ثم كان عقابهم أن تقرض ألسنتهم وشفاههم بمقاريض من حديد، وأن يستمروا في ذلك العذاب، لا يفتر عنهم، وهم فيه مبلسون، وهذا أنموذج فقط لما يغشاهم من النكال، لكن في السنة المطهرة أن من جملة عقابهم أن تندلق أقتاب أي أمعاء الواحد منهم في النار، فيدور حولها كما يدور الحمار برحاه، ويسأله أهل النار ألست كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ فيقول كنت أمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه”.