الخبير التربوي الدكتور ناصر الجندي عن “أزمة الثانوية العامة: كشف المستور وإعادة التفكير” (3)

التنسيق والدرجات: هل ما زالا صالحين لتحديد مصير الشباب؟

بقلم الخبير التربوي الدكتور ناصر الجندي

آلة لا ترحم
كلما أُعلنت نتائج الثانوية العامة، انطلقت آلة التنسيق، ذلك الكيان البارد الذي لا يعرف العاطفة ولا الحلم، ولا يرى أمامه إلا رقماً أمام اسم. تدخل إليه دفعة من الطلاب كأنهم على خط إنتاج، فيُخرجهم إلى كليات مختلفة بحسب ترتيبهم الرقمي فقط، لا بحسب قدراتهم، ولا طموحاتهم، ولا حتى متطلبات سوق العمل.
لكن هل يعقل أن تُختزل أحلام جيل كامل في رقم عشري من منزلتين؟ وهل من المعقول أن تظل هذه الآلية، بكل جمودها، حاكمة لمصير مئات الآلاف من الشباب في زمن الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الإبداعي؟
في هذا المقال، نفتح هذا الملف المسكوت عنه:
هل ما زال التنسيق والدرجات صالحين لتحديد مصير الشباب؟ أم آن الأوان لإعادة النظر جذرياً؟

الدرجات: مقياس أم قيد؟
في الأصل، الدرجات وُضعت لتكون أداة تقييم، لا وسيلة تصنيف اجتماعي. لكنها في نظام الثانوية العامة تحولت إلى حكم نهائي، لا يُستأنف، يُحدد من سيدخل الطب ومن سيدخل المعهد، من يُلقّب بـ”متفوق” ومن يُوصم بـ”فاشل”.
والأخطر: أن هذه الدرجات لا تُقيس الذكاء الفعلي، ولا المهارات الناعمة، ولا القدرة على الإبداع أو حل المشكلات، بل تقيس غالباً قدرة الطالب على:
• الحفظ والتكرار
• التعامل مع نماذج الأسئلة
• الخضوع لمنهج صارم لا يعترف بالتفكير النقدي
وهكذا، نجد طلابًا في كليات القمة بلا شغف، وطلابًا موهوبين في الهامش، فقط لأن الرقم لم يكن في صالحهم.

التنسيق: نظام عدالة قديم في زمن غير عادل
عندما وُضع نظام التنسيق في خمسينيات القرن العشرين، كان هدفه تحقيق العدالة الاجتماعية: دخول الجامعة حسب المجموع، لا حسب الواسطة أو النفوذ.
في ذلك الزمن، كان المجتمع أكثر تجانسًا، وكان عدد الطلاب محدودًا، وكانت الدولة تضمن التوظيف بعد التخرج.
لكن الزمن تغيّر، ولم يتغير التنسيق معه.
اليوم:
• عدد الطلاب تضاعف عشرات المرات
• الفجوة بين التعليم الحكومي والخاص تتسع
• الفروق في نوعية الامتحانات والمصادر والدروس تزداد
• وسوق العمل لم يعد مرتبطًا بالكلية بقدر ما هو مرتبط بالمهارات والتدريب والخبرة
ومع ذلك، ما زلنا نُقحم أبناءنا في مصارعة مصير تعتمد على حفنة من الدرجات، لا على الرؤية، ولا على بناء المسار المهني الطويل.

هل المجموع مؤشر على الكفاءة؟
دعونا نطرح سؤالاً مباشرًا:
هل طالب كلية الهندسة الحاصل على 95% أكثر كفاءة من طالب كلية التربية الحاصل على 75%؟
الواقع يجيب: ليس بالضرورة.
كثيرون تفوقوا في كليات متوسطة وصنعوا نجاحات باهرة. وآخرون دخلوا كليات القمة بلا شغف، فتخرجوا بلا أثر.
النجاح لا تُحدده الكلية، بل الإنسان، ومدى توافق اختياره مع ميوله وقدراته.
لكن نظام التنسيق يُلغي هذه المعادلة الإنسانية، ويحول العملية التعليمية إلى سباق درجات، لا مسار حياة.
ماذا عن العدالة؟
قد يقول قائل: “لكن التنسيق يحقق العدالة، الكل سواسية أمام المجموع!”
ظاهريًا نعم، لكن عمليًا لا.
• ماذا عن طالب من قرية نائية يدرس في مدرسة بلا معمل أو مكتبة؟
• ماذا عن طالب لا يملك ثمن الدروس الخصوصية؟
• ماذا عن طالب يعاني من اضطراب نفسي بسبب الضغط المجتمعي؟
التنسيق لا يراهم، ولا يفرّق بين ظروفهم.
إنه نظام أعمى يُطبّق عدالة شكلية، لكنها ظالمة جوهريًا.

51000000000000000

تجارب عالمية: هل هناك بدائل؟
في دول مثل فنلندا وألمانيا وكندا، لا يُحدد مصير الطالب وفق الامتحان فقط، بل من خلال:
• ملف إنجاز شخصي (Portfolio)
• مقابلات شخصية
• اختبارات قدرات خاصة بكل مجال
• تقييم مستمر عبر سنوات الدراسة
• توجيه مهني مبكر حسب ميول الطالب
هذه الأنظمة لا تُقصي أحدًا بسبب رقم، بل تفتح أكثر من مسار للحياة، وتعتبر التعليم رحلة اكتشاف، لا عقوبة جماعية.

نحو نظام إنساني: ما العمل؟
نحن لا ندعو إلى نسف النظام بلا بديل، بل إلى إعادة التفكير في فلسفة التعليم من جذورها. ولعل أبرز المقترحات:
1. الاعتراف بتعدد المسارات: ليس كل الطلاب يصلحون للدراسة الأكاديمية، هناك من يبرع في الحرف، أو الفن، أو التكنولوجيا.
2. الدمج بين المجموع والقدرات: يجب ألا يكون المجموع هو العامل الوحيد، بل يُدمَج مع اختبارات قدرات ومقابلات.
3. إدخال التوجيه المهني المبكر: ليفهم الطالب نفسه من الصف الأول الثانوي، ويختار بناءً على ميوله، لا ضغط المجتمع.
4. توسيع فرص التعليم الفني والمهني ورفع قيمته: بدلاً من أن يكون ملاذ الفاشلين، يجب أن يكون خيارًا مشرفًا وفعّالًا.

المقياس لا يصنع الإنسان
الدرجات والتنسيق قد تفتح أبوابًا، لكنها لا تصنع إنسانًا ناجحًا بالضرورة.
ما يصنع الإنسان هو الوعي بذاته، والشغف بما يفعل، والقدرة على التعلُّم المستمر، والمجتمع الذي يؤمن بأن لكل شخص مكانه وموهبته.
فهل نُعيد التفكير؟
أم نظل أسرى مقياس فقد صلاحيته، ونترك الأجيال تحترق تحت رحمة رقم؟

زر الذهاب إلى الأعلى