الخبير التربوي الدكتور ناصر الجندي يكتب “أزمة الثانوية العامة: كشف المستور وإعادة التفكير”

المنهج التعليمي: معركة الحشو ضد الفهم

بقلم الخبير التربوي الدكتور ناصر الجندي
ماذا نتعلّم ولماذا؟
في كل صباح دراسي، يفتح طالب الثانوية العامة كتابه المدرسي، فيجد نفسه أمام صفوف من التعريفات، والمعادلات، والمصطلحات، والحقائق المتراصة كأحجار الطوب.
ثم يُطلب منه أن يحفظها، ويعيد إنتاجها في ورقة الامتحان… فينجح أحيانًا، ويرسب أحيانًا، لكنه نادرًا ما يفهم فعلًا، أو يستمتع، أو يتأمل، أو يسأل “لماذا؟”.
المنهج الدراسي في الثانوية العامة أصبح — في نظر كثيرين — خصمًا لا وسيلة تعلم.
معركة يومية يخوضها الطالب مع الحشو، والتكرار، والتعقيد، وضيق الوقت، بينما الفهم العميق والمعنى الحقيقي يتبخران.
فهل هذا هو التعليم؟
هل الغرض من المنهج أن يُحشى في العقول كما تُحشى الملفات في الأدراج؟
أم أن ما نراه هو أزمة جوهرية في فلسفة التعليم نفسها؟
في هذا المقال، نسلط الضوء على المنهج بوصفه أحد أبرز أركان الأزمة التعليمية، ونسأل:
هل يمكن استبدال الحشو بالفهم؟
وهل لدينا شجاعة إعادة كتابة المنهج… من أجل الإنسان، لا من أجل الامتحان؟

الحشو: حين تتحول المعرفة إلى عبء
ما هو الحشو؟
الحشو هو إغراق الطالب بالمعلومات دون هدف واضح، دون ترتيب منطقي، ودون ربط حقيقي بحياته أو بسياق واقعي.
• فقرات مطولة لتعريفات نظرية لا تُستخدم أبدًا
• مسائل معقدة لا تشرح كيف نفكر، بل كيف نحفظ الخُطوات
• دروس تاريخ مليئة بالتواريخ والأسماء دون تحليل
• نصوص أدبية تُحفظ كلمةً كلمة دون تذوق
كيف يشعر الطالب؟
• كأنه يُحمل على ظهره حقيبة من الطوب
• يكره المادة لا لأنها صعبة، بل لأنها مبهمة، باردة، جافة
• يرى الامتحان غاية، لا وسيلة، ويعتبر الفهم رفاهية لا وقت لها
• يتعلم من أجل “الدرجات”، لا من أجل الحياة
الفهم: المعركة المؤجلة
في مقابل الحشو، يقف “الفهم” خجولًا، مُهمّشًا، ومُتّهمًا بأنه “يضيع الوقت”.
لكن الفهم الحقيقي هو جوهر التعليم:
• أن يعرف الطالب لماذا يدرس هذا الشيء، وما علاقته بالعالم
• أن يسأل، ويشك، ويحاول أن يبني المعنى بنفسه
• أن يربط بين المواد، ويتخيل، ويحلل، لا أن يكرر فقط
الفهم لا يعني التبسيط، بل يعني إدراك المعنى والبنية والمنطق.
لكن النظام الحالي يخاف من الفهم، لأنه:
• يحتاج وقتًا أطول
• يتطلب تدريبًا مختلفًا للمعلم
• لا يُقاس بسهولة في امتحان مدته ساعتان

88888888888001188

لماذا بقي الحشو مسيطرًا؟
1. الامتحانات التقليدية:
ما لا يُمتحن يُهمَل. وما يُمتحن هو الحفظ، إذًا الحشو هو الملك.
2. الضغط الزمني:
الكم الهائل من المناهج يفرض السرعة، ويمنع التعمق.
3. نقص تدريب المعلمين:
المعلم غير المدرب على التعليم التفاعلي يلجأ إلى أسهل وسيلة: التلقين.
4. ثقافة المجتمع:
الطالب وولي الأمر يهتمان بـ”الدرجة” لا بالمهارة. المهم أن “يجيب النموذج” وليس أن “يفهم”.
5. غياب الرؤية الفلسفية للمناهج:
لا أحد يسأل عند وضع المنهج:
“ما نوع الإنسان الذي نريد بناءه؟”
المنهج كما يجب أن يكون
تخيل لو أن المنهج كان:
• مصممًا ليربط العلم بالحياة
• يقلل من الكم، ويزيد من العمق
• يسمح بالأسئلة، لا يقمعها
• يدمج بين المواد ويُظهر العلاقة بينها
• يُدرّس عبر المشروعات، والتجريب، والنقاش
• يُقيم الفهم لا التكرار
كم كان سيتغير وجه التعليم!
وكم كان سيتحول الطالب من مُلقّن خائف إلى متعلّم نشط فضولي.
نماذج من التجاوز
بعض المبادرات الحديثة حاولت تجاوز منطق الحشو:
• النظام الجديد في الثانوية الذي أدخل أسئلة الفهم والاختيار من متعدد
• منصات التعليم الإلكتروني التي تشرح المفاهيم ببساطة وسياق
• معلمين أفراد أعادوا ابتكار طرق الشرح من خلال الفيديوهات أو الألعاب التعليمية
لكنها مبادرات مشتتة لا تكتمل، وغالبًا ما تُقابل بالخوف، أو الارتباك، أو مقاومة “القديم”.

الطريق إلى منهج إنساني
إذا أردنا أن نحرر التعليم من الحشو وننصر الفهم، يجب أن نعيد النظر في:
1. الهدف من التعليم نفسه
لا لبناء آلة إجابة، بل لبناء عقل واعٍ.
2. من يصنع المنهج؟
هل هو فقط خبراء المادة؟ أم يشارك معهم التربوي، وعالم النفس، والمعلم، والطالب؟
3. الزمن الدراسي
نحتاج إلى تخفيف الكم، لإفساح المجال للفهم.
4. الوسائل التعليمية
نحتاج إلى أدوات رقمية، وتجارب واقعية، ومصادر متعددة تتجاوز الكتاب المدرسي.
5. ثقافة التقييم
التقييم يجب أن يقيس المهارة والفهم، لا مجرد قدرة الحفظ المؤقت.

أي تعليم نريد؟
سؤال بسيط يقف في قلب المعركة:
هل نريد تعليماً يصنع حافظين، أم مفكرين؟
هل نريد عقلًا مكدسًا أم عقلًا متفتحًا؟
الحشو يملأ العقول مؤقتًا، ثم يتبخر.
لكن الفهم يبني جيلًا، وينير طريقًا.
والثانوية العامة ليست فقط أزمة امتحان… إنها أزمة منهج، ومبدأ، ومعنى.

زر الذهاب إلى الأعلى