
فارس الدعوة .. ومترجم القرآن الكريم
خمس سنوات على رحيل العلامة المفكر الدكتور محمد أبو ليلة
* تقرير _ أميرة إبراهيم :
خمس سنوات مرت على رحيل العالم الجليل والمفكر الإسلامي الكبير الدكتور محمد أبو ليلة، لتتجدّد ذكرى فقدان أحد أبرز علماء الأزهر الشريف والمفكرين الذين حملوا رسالة الإسلام إلى العالم بعلمهم وفكرهم ولسانهم. فقد غادر الجسد الدنيا، لكن سيرته العلمية والدعوية ما تزال حاضرة في القلوب والعقول، شاهدة على مسيرة امتدت لأكثر من نصف قرن في خدمة الدين والعلم والإنسان.
لقد كان الدكتور محمد أبو ليلة نموذجًا للعالم الأزهري الموسوعي، الذي لم يحصر نفسه داخل قاعات الدراسة أو حدود العمل الأكاديمي، بل انطلق إلى العالم أجمع مدافعًا عن الإسلام، ومصححًا للصورة النمطية عنه، ومحاورًا للغرب بلغته ومنهجه، حتى أصبح واحدًا من أبرز الأصوات الإسلامية المعاصرة في مجال مقارنة الأديان والحوار الحضاري.
في الثلاثين من مايو عام 2021، فقدت الساحة الإسلامية والعلمية أحد أبرز رموزها الفكرية والدعوية، بعدما أفنى عمره بين القرآن الكريم والسنة النبوية والبحث العلمي وخدمة الإسلام. وقد نعته المؤسسات العلمية والأزهرية وطلابه ومحبوه داخل مصر وخارجها، مؤكدين أن الأمة فقدت عالمًا كبيرًا ومفكرًا صادقًا كرّس حياته للدعوة والتعليم والإصلاح.
المولد والنشأة والتكوين
يروي الدكتور إسماعيل زين خضر، أحد علماء وزارة الأوقاف وابن شقيقة العالم الراحل، والذي يسعى جاهدًا للسير على دربه والاقتداء به، أن الفقيد وُلد في قرية أبو الغيط التابعة لمركز القناطر الخيرية بمحافظة القليوبية، ونشأ في بيئة ريفية أصيلة امتزج فيها حب العلم بحفظ القرآن الكريم، فأتم حفظ كتاب الله في سن مبكرة داخل الكُتّاب وقسم الحفّاظ بمدرسة القرية، وهو ما ترك أثرًا عميقًا في شخصيته العلمية والفكرية طوال حياته. ومنذ سنواته الأولى، برزت ملامح النبوغ والتميز عليه، فكان مولعًا بالقراءة والثقافة والأدب، ومهتمًا بقضايا أمته ومجتمعه، مما مهد لرحلة علمية استثنائية استمرت لعقود.
أبرز المتخصصين العرب
يواصل الدكتور إسماعيل زين خضر حديثه قائلاً: التحق فضيلة الدكتور – رحمه الله – بالأزهر الشريف، وتدرج في مراحله التعليمية حتى حصل على ليسانس الدعوة من كلية أصول الدين بجامعة الأزهر، ثم نال درجة الماجستير بتقدير متميز، قبل أن يتجه إلى بريطانيا لاستكمال دراساته العليا، حيث حصل على درجة الدكتوراه في مقارنة الأديان من جامعة إكستر الإنجليزية، ليصبح لاحقًا أحد أبرز المتخصصين العرب في هذا المجال. وخلال مسيرته العلمية، جمع بين التكوين الشرعي الأزهري العميق والمعرفة الأكاديمية الغربية الحديثة، وهو ما منحه قدرة فريدة على مخاطبة الآخر وفهم طبيعة التحديات الفكرية التي تواجه المسلمين في العصر الحديث.
مترجم القرآن الكريم
يؤكد الدكتور إسماعيل زين خضر أن اسم الدكتور محمد أبو ليلة ارتبط عالميًا بجهوده الكبيرة في ترجمة معاني القرآن الكريم إلى اللغة الإنجليزية، حتى عُرف بين كثير من الباحثين والمهتمين بلقب “مترجم القرآن”. ولم تكن الترجمة بالنسبة له مجرد نقل لغوي للكلمات، بل مشروعًا حضاريًا متكاملًا يهدف إلى تقديم الإسلام في صورته الصحيحة، وشرح معاني القرآن الكريم لغير الناطقين بالعربية بأسلوب علمي دقيق يجمع بين الأمانة العلمية وسهولة الفهم. كما قدم شروحات وتفسيرات للقرآن الكريم بالإنجليزية، وأسهم في تقريب معانيه إلى آلاف القراء والباحثين في مختلف أنحاء العالم.
مواجهة الشبهات المثارة
يوضح الدكتور إسماعيل زين خضر أن الدكتور محمد أبا ليلة – رحمه الله – كرّس جانبًا كبيرًا من حياته للرد على الشبهات المثارة حول الإسلام ورسوله الكريم صلى الله عليه وسلم، فتصدى للمستشرقين والعلمانيين والملحدين وأصحاب حملات التشويه الفكري، معتمدًا على المنهج العلمي والحوار الهادئ والطرح الأكاديمي الرصين. وكان يؤمن أن الدفاع عن الإسلام لا يكون بالصوت المرتفع أو الانفعال، وإنما بالعلم والمعرفة والقدرة على تقديم الحقائق بلغة يفهمها الآخر ويحترمها. ومن خلال محاضراته ومناظراته ومؤلفاته وجولاته العلمية، استطاع أن يقدم نموذجًا مشرفًا للعالم الأزهري الذي يجمع بين الثبات على المبادئ والانفتاح الواعي على العالم.
إرث علمي ضخم
يشير الدكتور إسماعيل زين خضر إلى أن الراحل ترك إرثًا علميًا ضخمًا باللغتين العربية والإنجليزية، تناول فيه قضايا العقيدة والحوار بين الأديان والفكر الإسلامي والدفاع عن الإسلام. ومن أبرز أعماله: “القرآن والأناجيل”، “الإسلام والعقل”، “المرأة في الإسلام”، “محمد صلى الله عليه وسلم بين الحقيقة والافتراء”، “القرآن الكريم من منظور الاستشراق والرد عليها”، “شبهات العلمانيين”، إضافة إلى ترجماته ودراساته لكتاب “رسالة الأخلاق” لابن حزم، وكتاب “المنقذ من الضلال” للإمام الغزالي. كما أشرف على عشرات الرسائل العلمية، وناقش العديد من رسائل الماجستير والدكتوراه داخل مصر وخارجها، وأسهم في إعداد أجيال من الباحثين والدعاة والمترجمين.
صاحب رؤية مؤسسية
لم يكن الدكتور محمد أبو ليلة مجرد أستاذ جامعي، بل كان صاحب رؤية مؤسسية واضحة، فقد أسهم في تأسيس قسم الدراسات الإسلامية باللغة الإنجليزية، الذي أصبح لاحقًا أحد أهم الأقسام العلمية المتخصصة في جامعة الأزهر. كما شارك في إنشاء وتطوير كلية اللغات والترجمة، وأسهم في إعداد كوادر دعوية قادرة على مخاطبة العالم بلغاته المختلفة، وهو المشروع الذي ما زالت ثماره مستمرة حتى اليوم. كما يُعد مؤسس جمعية “التواصل الحضاري والحوار مع الآخر” لترد على كل ما يقال ويكتب عن الإسلام من قبل الحاقدين وغير المنصفين.
موهبة أدبية وشعرية
إلى جانب مكانته العلمية، كان الراحل صاحب موهبة أدبية وشعرية مميزة، وعُرف بين أقرانه بلقب “شاعر الأزهر”، وارتبط بعلاقات وثيقة مع كبار الأدباء والشعراء والمثقفين في مصر. وكان يؤمن بأن الأدب والثقافة جناحان أساسيان في بناء الوعي، لذلك ظل حاضرًا في الندوات والملتقيات الثقافية والفكرية، جامعًا بين لغة العلماء وروح الأدباء.
حضور عالمي كبير
امتدت جهود الدكتور محمد أبو ليلة إلى مختلف قارات العالم، فزار دولًا عربية وأوروبية وأفريقية عديدة، مشاركًا في المؤتمرات الدولية والحوارات الفكرية والندوات الأكاديمية. كما شغل عضوية عدد من اللجان والمجالس العلمية المتخصصة، من بينها المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، ولجنة مراجعة ترجمات القرآن الكريم، ولجان الفكر والترجمة والحوار الحضاري، فضلًا عن مساهماته الإعلامية والدعوية الواسعة باللغة الإنجليزية.
ذكرى باقية لا تعيب
بعد خمسة أعوام على رحيله، لا يزال اسم الدكتور محمد أبو ليلة حاضرًا بقوة في ميادين الفكر والدعوة والترجمة والحوار الحضاري، من خلال كتبه وأبحاثه وتلاميذه ومواقفه العلمية. ويبقى مثالًا للعالم الرباني الذي عاش للعلم، وحمل همّ الأمة، وجعل من المعرفة رسالة، ومن الدعوة مشروع عمر. فرحمة الله عليه بقدر ما علّم، وبقدر ما دافع عن دينه، وبقدر ما ترك من أثر طيب لا يزال ممتدًا في الأجيال.
رحم الله الدكتور محمد أبو ليلة، وطيب ثراه، وجعل الجنة داره ومستقره، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.
* أميرة إبراهيم : رئيس تحرير موقع بوابة عاجل مصر.