الدكتور ناصر الجندى يكتب : “هل تنجح مصر في صناعة تعليم جديد؟ “من المدارس اليابانية إلى التكنولوجيا الحديثة”

ماذا يحدث داخل منظومة التعليم الآن؟"

بقلم الخبير التربوي الدكتور ناصر الجندي

في كل بيت مصري تقريبًا…هناك حكاية مرتبطة بالتعليم.

أب يحلم أن يرى ابنه في مكان أفضل، وأم تخشى أن يضيع مستقبل طفلها وسط الزحام، وطالب يحاول أن يفهم: هل المدرسة ما زالت طريق النجاح فعلًا؟

ورغم كل الجدل الذي يحيط بالتعليم في مصر، فإن ما يحدث اليوم داخل المنظومة التعليمية لا يمكن اعتباره مجرد “تغييرات عادية”…

بل محاولة ضخمة لإعادة رسم شكل التعليم بالكامل. يكفي أن تنظر إلى خريطة المدارس الآن لتدرك حجم التحول.

لدينا مدارس مصرية يابانية، ومدارس STEM،

ومدارس التكنولوجيا التطبيقية، ومدارس دولية،

ومناهج رقمية، وتطوير في التعليم الفني،

وشراكات دولية، ومحاولات لإدخال التفكير والمهارات بدلًا من الحفظ فقط.

السؤال هنا لم يعد: “هل هناك تطوير؟”

بل أصبح: “هل تستطيع مصر فعلًا أن تنقل التعليم إلى عصر جديد؟”

 الحقيقة أن الدولة المصرية خلال السنوات الأخيرة وضعت ملف التعليم في قلب مشروع بناء الإنسان المصري.

  لكن اللافت مؤخرًا، هو التحركات المكثفة التي يقودها وزير التربية والتعليم محمد عبد اللطيف، والتي ركزت بشكل واضح على فكرة “التعليم المتميز للجميع”، وليس للنخبة فقط.

  فخلال الأشهر الماضية، توسعت الوزارة بصورة كبيرة في مشروع المدارس المصرية اليابانية، مع الإعلان عن الوصول إلى 100 مدرسة بحلول سبتمبر 2026، ضمن خطة أكبر للتوسع مستقبلًا.

  لكن القضية لم تكن مجرد بناء مدارس جديدة تحمل اسمًا مختلفًا… بل نقل فلسفة تعليمية كاملة تقوم على الانضباط، والعمل الجماعي، وبناء شخصية الطالب، واحترام الوقت، وتنمية المهارات الحياتية من خلال أنشطة “التوكاتسو” اليابانية.

  والأهم أن الوزير ركّز مؤخرًا على تدريب المعلمين وتأهيلهم، باعتبار أن أي تطوير حقيقي يبدأ من المعلم نفسه، وليس من المبنى أو التكنولوجيا فقط.

  وفي الوقت نفسه، تتوسع الدولة بقوة في مدارس التكنولوجيا التطبيقية، والتي وصل عددها إلى 225 مدرسة وفق التصريحات الرسمية الأخيرة، في محاولة لربط التعليم بسوق العمل الحقيقي، وإنهاء الصورة القديمة التي ظلمت التعليم الفني لسنوات طويلة.

IMG 20260530 WA0026 1بل إن الوزارة بدأت تتحرك أيضًا نحو تطوير المناهج نفسها، وخاصة مناهج الرياضيات، مع التركيز على الفهم والتفكير والتحليل بدلًا من الحفظ والتلقين التقليدي.

وربما أهم ما يميز المرحلة الحالية…

أن هناك محاولة واضحة للاستفادة من الخبرات العالمية، خصوصًا التجربة اليابانية، من خلال شراكات وتعاون مباشر بين مصر واليابان في ملف التعليم.

لكن رغم كل ذلك… لا تزال التحديات ضخمة جدًا.

فأي وزير تعليم في مصر لا يواجه مجرد “نظام دراسي”، بل يواجه ملايين الطلاب، ومئات الآلاف من المعلمين، وكثافات مرتفعة، وعجزًا في بعض التخصصات، وثقافة تعليمية تراكمت لعشرات السنين.

ولهذا، فإن تطوير التعليم في دولة بحجم مصر لا يمكن أن يحدث بضغطة زر.

إنها عملية طويلة، مليئة بالصدامات والأسئلة والقلق وحتى الانتقادات.

وفي الحقيقة، كثير من النقاشات المجتمعية الأخيرة تكشف شيئًا مهمًا جدًا: المصريين لم يعودوا غير مهتمين بالتعليم…

بل أصبحوا يناقشونه بشغف وخوف وأمل، لأن الجميع يدرك أن التعليم لم يعد مجرد شهادة، بل قضية مستقبل وطن كامل.

وفي النهاية… قد يختلف الناس حول بعض القرارات، وقد يتفقون أو يعترضون على بعض السياسات، لكن من الصعب إنكار أن مصر تعيش حاليًا واحدة من أكبر محاولات إعادة بناء التعليم في تاريخها الحديث.

وربما يبقى السؤال الأهم:

هل ننجح في تحويل هذه المشروعات والتجارب الجديدة إلى تعليم حقيقي يغيّر حياة كل طفل مصري؟

إذا حدث ذلك… فلن تكون مصر قد طورت مدارسها فقط، بل ستكون قد بدأت فعلًا في صناعة جيل جديد قادر على المنافسة، والإبداع، وبناء المستقبل.

زر الذهاب إلى الأعلى