
العمل العام بين قدسية العطاء وخطورة التأرجح
بقلم: محمد سعيد
في ظل أوقات عصيبة أصبحت فيه المصالح السريعة هي العنوان الأبرز لكثير من العلاقات الإنسانية، يبقى العمل العام والتطوعي واحدًا من أنبل الميادين التي تكشف معدن الإنسان الحقيقي، المتطوع لا يتحرك بدافع الربح، ولا يقف في الصفوف الأولى انتظارًا لمكسب شخصي، بل يتحرك بدافع:
- الإيمان بالفكرة.
- الانتماء للقضية.
- الرغبة الصادقة في صناعة أثر يبقى حتى بعد غياب الأسماء والوجوه.
العمل التطوعي.. رسالة لا مجرد صورة
فالعمل التطوعي ليس نشاطًا عابرًا يُمارس في أوقات الفراغ، وليس مجرد صورة تُلتقط أو لقب يُضاف، بل هو رسالة أخلاقية ووطنية وإنسانية عظيمة، تقوم على التضحية والانضباط وتحمل المسؤولية، والمتطوع الحقيقي يدرك أن قيمة العطاء لا تُقاس بحجم الظهور، وإنما بحجم التأثير الذي يتركه في حياة الناس وفي استقرار المؤسسات التي ينتمي إليها.
قدسية العمل العام والثبات وقت الشدة
من هنا تأتي قدسية العمل العام، لأنه يقوم على الثقة قبل أي شيء، فكل مؤسسة أو كيان ناجح لا يُبنى بالأموال وحدها، وإنما يُبنى برجال ونساء آمنوا بالفكرة فحملوها بإخلاص وثبات، وصبروا على التحديات، وتحملوا الضغوط، ووقفوا وقت الشدة قبل أوقات النجاح.
”الانتماء الحقيقي لا يظهر في لحظات التصفيق، بل يظهر حين تتعثر الطرق، وحين تصبح التضحية ضرورة لا رفاهية.”
فخ “التأرجح” وفقدان القيمة المعنوية
غير أن أخطر ما يواجه العمل التطوعي اليوم هو حالة “التأرجح” المستمر بين الكيانات والمؤسسات، حيث يتحول بعض الأفراد إلى باحثين دائمين عن الواجهة الأسرع أو المكسب الأقرب، دون إدراك أن كثرة التنقل تُفقد الإنسان قيمته المعنوية قبل التنظيمية. فالمتطوع الذي لا يستقر على مبدأ، ولا يثبت على انتماء، يصبح مع الوقت فاقدًا للثقة؛ لأن المؤسسات تُبنى بالثبات لا بالتنقل.
إن الانتقال المستمر يخلق حالة من التشوش الفكري، ويجعل المتطوع يعيش في دائرة من التشتت، فلا هو قادر على بناء تجربة عميقة، ولا هو قادر على صناعة أثر طويل المدى. والأسوأ أن هذه الحالة تُضعف قيمة الالتزام، وتحوّل العمل التطوعي إلى مجرد “محطة عبور” لمكاسب شخصية.
التاريخ لا يتذكر العابرين
قد يظن البعض أن كثرة التنقل تمنحه خبرة أوسع، لكنه يغفل أن التاريخ لا يتذكر العابرين، بل يتذكر أولئك الذين ثبتوا على المبدأ وصنعوا الفارق داخل مؤسساتهم. فالقيمة الحقيقية لا تأتي من عدد الأماكن التي مر بها الإنسان، وإنما من حجم الأثر الذي تركه في المكان الذي آمن به.
الالتزام دليل نضج ووعي
الكيانات الكبرى لا تبحث فقط عن أصحاب المهارات، بل تبحث عن أصحاب الولاء والاستقرار، لأن المؤسسة التي تخشى فقدان أفرادها في كل لحظة لا تستطيع بناء مشروع طويل الأمد. ولهذا فإن الالتزام ليس قيدًا، بل هو دليل نضج ووعي واحترام للفكرة.
خاتمة: البناء يحتاج إلى صمود
إن أعظم ما يمكن أن يقدمه المتطوع لنفسه هو أن يتحلى بالثبات، وأن يؤمن بأن الإنجازات الكبيرة لا يصنعها المترددون، وإنما يصنعها أولئك الذين قرروا أن يكونوا جزءًا من مشروع أكبر من ذواتهم.
يبقى العمل العام شرفًا لا يناله إلا أصحاب الرسالة، وتبقى قيمة الإنسان فيما يقدمه بإخلاص، لا فيما يبدله من مواقع وشعارات.
لأن الأوطان لا يبنيها العابرون… بل يبنيها المؤمنون بالفكرة حتى النهاية.