
(اصْطَبِر لعبادته)
بقلم: د. فاطمة رجب الباجوري
ما خلقنا الله سبحانه وتعالى إلا لتوحيده وعبادته حق العبادة، قال الله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} (الذاريات: 56)، والعبادة هي أن تمتثل أوامر الله تعالى لك، وتجتنب كل ما نهاك الله تعالى عنه، مع توحيده وإظهار الخضوع والتذلل له سبحانه وتعالى. وهذه العبادة -عزيزي القارئ – تحتاج منك، إلى مثابرةٍ وجهادٍ للنفس، واستمرارية حتى تصل إلى قول الله تعالى : { وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ}(العنكبوت: 69)، فصبرك على الطاعة والعبادة، ومجاهدة نفسك في البعد عن كل ما نهى الله تعالى عنه، وامتثال جميع أوامره هو طريقك إلى الهدى، وإلى الحظوة بمعية الله تعالى، حتى ترى بنور من نور الله، وهذه هي مرحلة العبادة بدرجة الإحسان، كما بينها المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم ـ عندما سأله جبريل عليه السلام، عن الإحسان فقال: «الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك» ( رواه البخاري)، فإذا كان قلبك حاضرا في كل عمل تقوم به، مستشعرا معية الله تعالى في كل خطوة تخطوها، فقد وصلت إلى درجة الإحسان. وإذا وصلت إلى هذه المكانة فستشعر بلذة الطاعة، يقول أحد الصالحين: “كابدت الصلاة عشرين سنة، وتنعمت بها عشرين سنة”
والذين منَّ الله تعالى عليهم بلذة العبادة، يستحقرون أمامها كل لذة ومتعة مهما بلغت، حتى إن الغزالي ـ رحمه الله تعالى ـ قال فيهم: «وهؤلاء لو عُوضُوا عمَّا هم فيه من لذة الطاعة والمناجاة وملازمة السجود للحضرة الإلهية سراً وجهراً جميع نعيم الجنة لاستحقروه ولم يلتفتوا إليه»
وقد يسأل البعض كيف أصل إلى هذه الطاعة التي تورث اللذة بمعية الله تعالى: والجواب أوصيك ونفسي بتقوى الله، ومراقبته في السر والعلن، وتعظيم حرماته، وتجنب معصيته، قال رجل لإبراهيم بن أدهم: “إني لا أقدر على قيام الليل فصف لي دواءً قال: لا تعصيه بالنهار وهو يقيمك بين يديه في الليل، فإن وقوفك بين يديه في الليل من أعظم الشرف، والعاصي لا يستحق ذلك الشرف”.
وللامتناع عن المعاصي عليك بالصبر والصلاة، قال الله تعالى: {واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين} [البقرة: 45]
ولن تصل إلى منزلة التقوى إلا بترويض نفسك، والجد والاجتهاد في الطاعة، وكأنك تسير بين الشوك، وقد روي أن أحد الصالحين سئل عن التقوى فَقَالَ: أَمَا سَلَكْتَ طَرِيقًا ذَا شَوْكٍ؟ قَالَ: بَلَى قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ؟ قَالَ: شَمَّرْتُ وَاجْتَهَدْتُ، قَالَ: فَذَلِكَ التَّقْوَى”، فشمر واجتهد، وراقب الله تعالى في كل عمل مهما بلغ، فأنت مأمور بهذا الاجتهاد فقد قال الله تعالى: آمرا نبيه: { تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبادِنا مَنْ كانَ تَقِيًّا (63) وَما نَتَنَزَّلُ إِلَاّ بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا وَما بَيْنَ ذلِكَ وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (64) رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (65)} ( سورة مريم).