
مجتمعات تقتل أبناءها بصمت… الانتحار ليس فرديًا بل جريمة جماعية
بقلم : د . مجدى الناظر و زينب محمود
كثرت حالات الإنتحار فى مصرنا الحبيبة فى الأيام العشر الأخيرة ولم يتم إيجاد حلول لتلك الكارثة
فلم يعد الانتحار خبرًا عابرًا في أسفل الشاشة… بل صار صفعة يومية على وجه عالمٍ فقد حساسيته، وتبلّد ضميره.
كل روح تُزهق ليست قصة فردية… بل لائحة اتهام مكتملة الأركان ضد مجتمعٍ اختار أن يرى ولا يتدخل، يسمع ولا يستجيب، ويُدين الضحية بدل أن يداوي الجرح.
دعونا من تلك التبريرات الغير منطقية :
لا، لم “يضعف” فجأة…
ولم “يُخطئ” قرارًا في لحظة طيش…
هو سقط بعد أن تُرك وحده طويلًا.
تُرك يواجه فقرًا يلتهم الكرامة، وضغوطًا تسحق الأعصاب، ووحدةً خانقة تُطفئ أي بصيص أمل.
تُرك في بيئة تُجيد القسوة أكثر مما تُجيد الرحمة، وتُتقن إصدار الأحكام أكثر مما تُتقن الإصغاء.
وحين مدّ يده طلبًا للعون… لم يجد إلا الصمت.
أيّ مجتمع هذا الذي يطالب أبناءه بالتماسك حتى التصدّع؟
أيّ ثقافة هذه التي تُجرّم الحزن وتُكافئ التظاهر بالقوة؟
أيّ منطق هذا الذي يرى إنسانًا ينهار، فيطالبه بمزيد من الصمود؟
هذه ليست حياة… هذا استنزاف منظم للروح.
الحقيقة القاسية:
الانتحار لا يولد في لحظة… بل يُصنع ببطء، طبقة فوق طبقة من الخذلان.
كلمة جارحة هنا، سخرية هناك، تجاهل مستمر، أبواب تُغلق، قلوب تقسو…
حتى يصل الإنسان إلى الحافة، وهناك—حيث يجب أن يجد يدًا—لا يجد أحدًا.
ثم، عندما يحدث الأسوأ، نرتدي أقنعة الحكمة المتأخرة:
نكتب منشورات التعاطف، نذرف دموعًا سريعة، ونعود إلى عاداتنا نفسها التي صنعت الكارثة.
نحوّل المأساة إلى خبر… والإنسان إلى رقم… والوجع إلى مادة للاستهلاك. هذا تواطؤ… لا مجرد تقصير.
فلنسمى الأشياء بأسمائها:
كل مرة نُقلّل فيها من ألم إنسان، نضيف حجرًا في طريق سقوطه.
كل مرة نسخر فيها من ضعفه، نقرّب الحافة خطوة.
كل مرة نصمت فيها عن معاناته، نشارك في خنقه.
الانتحار ليس حلًا… بل صرخة أخيرة لم يُجِب عنها أحد.
ليس ضعفًا… بل انهيار بعد صمود لم يره أحد.
إذا أردنا أن نوقف هذا النزيف، فالحل ليس في المواعظ الجوفاء… بل في تغييرٍ حقيقي:
أن نصغي قبل أن نحكم،
أن نحتوي قبل أن نُدين،
أن نُعيد للإنسان قيمته قبل أن نطالبه بالصمود.
إما أن نكون مجتمعًا يحمي أبناءه…
أو نواصل—بصمتنا وقسوتنا—كتابة نهاياتهم.
لأن الحقيقة التي لا يمكن الهروب منها:
مجتمع يقتل أبناءه بصمت… إنما يوقّع على موته هو.