
(ويعفو عن كثير)
بقلم: د. فاطمة رجب الباجوري
لقد ظهر في هذه الأيام في مجتمعاتنا المسلمة أمر غريب مخالف للفطر السليمة، ألا وهو قتل النفس أو ما يسمى (بالانتحار)، ويعلل المحللون لهذا الحدث الغريب دائما بكثرة الأعباء، والابتلاءات وضغوط الحياة، وأنا لا أرى هذا إلا من باب عدم الفهم الصحيح لهذا الدين القويم، وتقصيرنا في تنشئة أبنائنا على حسن التوكل على الله ـ تعالى ـ والرضا بالقضاء خيره وشره، حلوه ومره، فإن أمر المؤمن كله خير، فقد ورد عن المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال: «عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر، فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له» (رواه مسلم).
لكننا لم نرب أبناءنا إلا للدنيا، فلو ربيناهم للآخرة، لتذكروا في كل ابتلاء قول الله تعالى: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ (156) أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157)). (البقرة).
فذِكرُ الله – تعالى – عند كل ابتلاء، يمنحك رحمة الله تعالى ومغفرته ورضاه، ويجعلك من المهتدين.
إن إرجاعك كل أمور حياتك إلى ربك، تجعلك هادئ النفس، مطمئنا، عليك سكينة من ربك، والذين أدركوا لذة هذه المشاعر بحسن توكلهم على الله – تعالى – علموا أنهم في نعمة تحسدهم الملوك عليها، حتى أثر عن بعض السلف قوله: “ نحن في نعمة لو يعلمها الملوك وأبناء الملوك لقاتلونا عليها بالسيوف”.
ولتعلم عزيزي القارئ أن الله لا يبتليك إلا ليصطفيك، ويطهرك من الذنوب، ويضع عنك أوزارها، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «مَا يَزَالُ البَلَاءُ بِالمُؤْمِنِ وَالمُؤْمِنَةِ فِي نَفْسِهِ وَوَلَدِهِ وَمَالِهِ حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ» (رواه الترمذي).
وإني والله أرى أناسا يبتليهم الله تعالى، فيصبرون على الابتلاء، ويحمدون الله تعالى، ثم يشتد عليهم الابتلاء، فيزدادون حمدا وشكرا لله – تعالى – وما ذلك إلا لعلمهم بما أعده الله تعالى للصابرين من الأجر العظيم وتكفير الذنوب.
وقد أدرك الصحابة الكرام أجر الصابرين فصبروا، والنماذج على ذلك عديدة، نذكر مثالا واحدا لضيق المقام، فهذه صحابية جليلة، كانت تصرع، وهذا ابتلاء شديد جدا على نفس وجسد الرجل فما بالكم بالمرأة؟!، فأتت النبي – صلى الله عليه وسلم – ” فقالت: إني أصرع، وإني أتكشف، فادع الله لي، قال: إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله أن يعافيك، فقالت: أصبر، فقالت: إني أتكشف، فادع الله لي ألا أتكشف، فدعا لها” (رواه البخاري). فالصبر على البلاء ليس له جزاء إلا الجنة، كما نص الحديث الشريف؛ لذلك عندما سمع سيدنا علي بن أبي طالب قول الله – عز وجل – في كتابه العزيز: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوعَنْ كَثِيرٍ} [الشورى: 30]
قَالَ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ـ هَذِهِ الْآيَةُ أَرْجَى آيَةٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَإِذَا كَانَ يُكَفِّرُ عَنِّي بِالْمَصَائِبِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ فَمَا يَبْقَى بَعْدَ كَفَّارَتِهِ وَعَفْوِهِ!