
مدفع الإفطار…اضرب
بقلم: نهاد عادل
مع حلول شهر رمضان المبارك، تتجدد في القلوب مشاعر الطمأنينة والسكينة، فهو شهر الخير والرحمة، شهر تتصافى فيه النفوس وتسمو الأرواح، وتتعزز فيه قيم العطاء والتقوى. إنه الشهر الذي اختصه الله تعالى بفضائل عظيمة، وفيه أُنزل القرآن الكريم على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وفيه ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر.
ومن بين الطقوس الرمضانية التي ارتبطت بوجدان المصريين والعرب على السواء، يبرز مدفع الإفطار كأحد أبرز الرموز الشعبية التي تعلن لحظة الغروب، وتمنح الصائمين إشارة البدء لتناول الإفطار. عبارة “مدفع الإفطار… اضرب” التي اعتاد الناس سماعها عبر الإذاعة المصرية، أصبحت جزءًا أصيلًا من ذاكرة الشهر الكريم.
تُعد القاهرة أول مدينة عُرف فيها إطلاق مدفع رمضان، وقد تعددت الروايات حول نشأته:
الرواية الأول تعود إلى عام 865 هجريًا، حين أراد السلطان المملوكي خوشقدم تجربة مدفع جديد وقت غروب الشمس في رمضان. فظن الناس أن السلطان يقصد تنبيههم إلى موعد الإفطار، فخرجوا لشكره، الأمر الذي نال إعجابه، فقرر استمرار إطلاق المدفع يوميًا، بل وإضافة مدفع للسحور والإمساك.
الرواية الثانية: في عهد الخديوي إسماعيل، انطلقت قذيفة من أحد المدافع أثناء تنظيفه وقت أذان المغرب في رمضان. فاعتقد الأهالي أن الأمر تقليد جديد للإفطار. وعندما علمت ابنته الحاجة فاطمة بما حدث، أصدرت فرمانًا باعتماد إطلاق المدفع رسميًا عند الإفطار والإمساك وفي الأعياد، ليُعرف منذ ذلك الحين باسم “مدفع الحاجة فاطمة”.
الرواية الثالثة: في عهد محمد علي
تشير رواية أخرى إلى أن بداية المدفع تعود إلى عصر محمد علي باشا، الذي أراد تجربة مدفع وصل من ألمانيا، وتصادف ذلك مع وقت المغرب في أول أيام رمضان، فظن الناس أن الهدف هو إعلامهم بموعد الإفطار، فاستحسنوا الفكرة، واستمر العمل بها طوال الشهر.
لم يبقَ مدفع رمضان حكرًا على مصر، بل انتقلت فكرته إلى بلاد الشام، ثم إلى بغداد في أواخر القرن التاسع عشر، ومنها إلى دول الخليج واليمن والسودان، وحتى بعض دول شرق آسيا، ليصبح تقليدًا رمضانيًا عابرًا للحدود، يربط بين الشعوب الإسلامية بروح واحدة وطقس مشترك.
ورغم تطور وسائل الإعلام ووجود الساعات الرقمية وتطبيقات الهواتف الذكية، ما زال صوت المدفع يحتفظ بمكانته الخاصة، لأنه ليس مجرد وسيلة للإعلان عن موعد الإفطار، بل رمز للفرحة الجماعية والحنين إلى الماضي، وصوتًا يختصر لحظة انتظار يوم كامل من الصيام.
يبقى مدفع الإفطار شاهدًا على تداخل التاريخ بالعادات، وعلى قدرة الشعوب على تحويل المصادفة إلى تقليد خالد، يروي للأجيال حكاية شهرٍ تتجدد فيه المعاني كل عام.