المطعنى يكتب : ليس المهم مَن يأتي.. المهم مَن يختار وكيف يُنفذ؟
بقلم: أحمد المطعنى
في الأروقة السياسية، غالباً ما يُنظر إلى تغيير “وزير التربية والتعليم” على أنه الحدث الأهم، وكأن إصلاح التعليم مرهون بتبديل الوجوه. لكن نظرة أعمق لفلسفة إدارة الدول تؤكد حقيقة مغايرة: المشكلة ليست في رحيل وزير أو قدوم آخر، بل في مدى قدرة “المنظومة” على الاستمرار، وفي عبقرية القيادات العليا في “اختيار” من يحول الورق إلى واقع.
إن التركيز على التعليم ينبع من حقيقة أزلية؛ وهي أن العلم هو المحرك الأول لأي نهضة. فبناء العقول يسبق بناء الجدران، والمجتمع المتعلم هو الأقدر على الابتكار، وحل المشكلات، ومواكبة التطورات العالمية. ومن هنا، فإن وزارة التربية والتعليم ليست مجرد جهة إدارية، بل هي المصنع الذي يُعد الإنسان القادر على صيانة ركائز الوطن الأخرى. الخطة ملك للدولة.. والوزير “رُبّان” تنفيذ .

إن وزارة التربية والتعليم ليست “عزبة” خاصة لمن يتولاها، يغير مناهجها ويبدل إستراتيجياتها وفق رؤيته الشخصية. إنها منظومة سيادية وضعت الدولة خطتها الإستراتيجية بعناية. هنا يأتي الدور المحوري للقيادات العليا؛ فالمهمة ليست البحث عن “مبتكر” لخطط جديدة، بل البحث عن “قائد تنفيذي” يمتلك القدرة على قراءة الخطة الوطنية وتطبيقها بصرامة وإبداع.
فإذا كانت الخطة هي “قضبان القطار”، فإن الاختيار الموفق للقيادة هو “المحرك” الذي يضمن وصول القطار إلى وجهته دون انحراف، ليرسي دعائم الدولة التي تقوم على:
* العمل المخلص والإنتاج: فلا يُبنى الوطن بالأماني، بل بالجهد والعمل الدؤوب في كافة الميادين. إتقان العمل هو اللبنة الأساسية في جدار الاستقرار الاقتصادي.
* الوحدة الوطنية والتماسك: قوة الوطن تكمن في تلاحم نسيجه الاجتماعي، وتجاوز الخلافات لصالح المصلحة العامة.
* العدل وسيادة القانون: الذي يمنح المواطن الشعور بالأمان والرغبة في العطاء والانتماء.
* الأخلاق والقيم: فهي هوية الأمم، وبالصدق والأمانة نبني مجتمعاً متححضاً.
لكي ننتقل من “الاجتهاد الشخصي” إلى “العمل المؤسسي”، يجب أن يخرج اختيار القيادات من دائرة الانطباعات إلى دائرة “مصفوفة المعايير”. إن القيادات العليا اليوم أمام مسؤولية اختيار قيادات تمتلك:
* عقلية الحلول: لتفكيك المعوقات دون خلق أزمات جديدة.
* نكران الذات المؤسسي: الإيمان بأن النجاح في “تكملة البناء” وليس الهدم والبدء من الصفر.
* إدارة التغيير: مهارة شرح فلسفة الدولة للمواطن وتحويل المقاومة إلى دعم.
الخلاصة
حين يطمئن المجتمع إلى أن هناك “خطة دولة” ثابتة لا تهتز برحيل مسؤول، يتلاشى القلق الشعبي ، ما يعنينا كمواطنين هو “المنتج النهائي” هو “طالب متعلم، معلم مقدر، ومدرسة فاعلة ” ، وهذا لن يتحقق إلا بصلابة النظام الذي يمنع الانحراف عن المسار، وبدقة اختيار المنفذين.
إن الأوطان لا تبنى إلا بسواعد أهلها، ولا تنهض إلا بعرق جبينهم وإيمانهم الصادق ،فالقضية ليست في مَن ذهب ومَن جاء، بل في: “كيف نختار مَن يحقق الهدف؟”.