
أهلا بأم أبيها
بقلم : د. أحمد أحمد عبده
قسم مقارنة الأديان_كلية الدراسات الٱسيوية العليا_ جامعة الزقازيق
سلام عليك يا فاطمة بنت سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، في الصالحات القانتات. حديثي مع حضراتكم عن أجمل صلة روحية بين أب وابنة… لكن من الأب؟! هو سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، نبع الرحمة والحنان، بل مورد الرقة واللين، ومبعوث رب العالمين لنشر النور الإلهي والحكم الربانية والشريعة النورانية لتحقيق أسمى أهداف الوجود الإنساني، وهو العبودية الخالصة لله عز وجل.
ومن تكون الابنة؟! هي السيدة فاطمة الزهراء، التي كانت من أشبه الناس بسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووصفها بقوله صلى الله عليه وسلم: فاطمة بضعة مني، أي قطعة، وما أجملها من قطعة مباركة طيبة من نور سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأنا لست بصدد سرد أحاديث صحيحة أو ضعيفة وردت في هذا الشأن، ولكن بصدد تسطير أجمل ملحمة حب وحنان وارتباط روحي بين سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وإحدى بناته، بل إن شئت قلت إحدى بنياته، والتي كانت بقية من ذريته صلى الله عليه وسلم بعد انتقاله للرفيق الأعلى. فسلام عليك يا سيدتنا فاطمة الزهراء، يا من شرفت المؤنسات الغاليات، يا من تقلبت بين الرقة والحنان، وبين الجمال والصفاء، وبين السعادة والفرح عند لقائها بخير خلق الله والدها سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
وكذلك كان سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يعامل بقية بناته، سيدات الطهر والعفاف والمرؤة والإخلاص، كالسيدة زينب، والتي زوجها العاص بن الربيع ابن خالتها هالة بنت خويلد، وكان قبل إسلامه من خيرة رجال مكة، مشهورًا بالأمانة وموفور المال من التجارة، وأثنى عليه صلى الله عليه وسلم حين قال مبرزًا إخلاصه وأمانته وصدقه: “حدثني فصدقني، ووعدني فوفى لي”.
وكذلك زوج ابنتيه رقية وأم كلثوم من ذي النورين سيدنا عثمان بن عفان، الذي رخص له سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في التخلف عن غزوة بدر، وكانت أول مواجهة فاصلة بين معسكري الكفر والإيمان، لتمريضها إكرامًا لها وحبًا وحنانًا. فقد أكرم كل بناته ومن لهم صلة بجانبه النبوي السامق. فقد كانت علاقته صلى الله عليه وسلم علاقة أبوة حانية، واحترامًا طيبًا جميلًا، من أكرم خلق الله على الله، فقد خصها بما لم يخص غيرها من المكرمات، فقد خصها بكنية “أم أبيها” لعطفها وبرها واهتمامها به صلى الله عليه وسلم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يرحب بها عند دخولها عليه، ويجلسها مكانه في مجلس كان فيه كبار الصحابة، وكانت تفعل مع والدها الكريم كذلك.
بلغ من حبه لها أنه لم يكن يغادر المدينة لأي سبب من الأسباب قبل رؤيتها، وتكون آخر وجه رآه، ثم عندما يعود يؤم المسجد فيصلي ركعتين، ثم يذهب متشوقًا لرؤية فاطمة، حبيبته الأثيرة، والتي تعلق بها قلبه صلى الله عليه وسلم.
وعند زواجها من سيدنا الإمام علي، كره أن تبعد عنه لأنه اعتاد على صحبتها، فقد تغلغلت في روحه وتمكنت من فؤاده الطاهر حبًا، فبحث عن وسيلة لتكون إلى جواره بعد زواجها ليتجاور الصفاء والجلال والحب النقي. وفرح سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما وفر لها أحد الصحابة الكرام مسكنًا قريبًا من مسجده صلى الله عليه وسلم، حتى يراها وتراه، ويزداد الارتباط بينه وبينها وبين أولادها، وبين جدهما.
ومن قبلها فهو يحب ابن عمه زوجها، أبا تراب كما كناه سيدنا رسول الله، لأن رداء سيدنا علي بن أبي طالب قد سقط عن منكبيه عندما كان بالمسجد، وكان هناك غضب يسير بينه وبين السيدة فاطمة عندما سأل النبي صلى الله عليه وسلم عنه، وبحث عنه فوجده نائمًا بالمسجد، وقد سقط الرداء عن شقه والتصق بالتراب، فقال له سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم مازحًا: “قم أبا تراب، قم أبا تراب”.
فسلام عليك يا سيدة نساء العالمين، مع السيدة مريم، والسيدة آسيا بنت مزاحم، ومع والدتك السيدة خديجة بنت خويلد، التي بنى الله لها بيتًا في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب. وما زلنا في دنيا البشر لنرى بنات جميلات حلاهن الله بالصبر على الفواجع في الدنيا، فكانت أماً لأبيها متأسية بالسيدة فاطمة الزهراء. فها هي طبيبة شابة فقدت والدتها وهي في نهايات مشوارها العلمي، في مشهد حزين، لم تشاهد زهرتها بعد أن اكتمل نضجها وأثمرت وأينعت، وبلغت مبلغ العرائس الجميلات لتجد نفسها بلا أم في دنيا شاسعة مترامية الأطراف، لم ترحم رقتها، وابنة جملها الله بالصبر والتحمل، فكانت نعم الابنة، جميلة في كل شيء، يحبها كل من يراها.
كنت أظن بأن قلبها الصغير الطيب لن يجعلها تتجاوز المحنة، وكيف لا وأذناها تفتحتا على سماع كلام الله منذ نعومة أظفارها، وعلى مدح رب البرايا، وعلى مدح سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. تحملت المسؤولية صغيرة، تحملت عبء بيت ومسؤولية أسرة أراد الله لها أن تكون هي نواة الأسرة، لا قبلها ولا بعدها، وسارت بها الأمور وهي صابرة محتسبة، تشارك والدها كل لحظات الأفراح والأتراح بوجهها البريء وقسماتها الجميلة، ما شاء الله، والتي أدعو الله لها بطول العمر، والستر، والنصر، والرقي، والتوفيق في حياتها، وأن يبعد عنها المحن، ما ظهر منها وما بطن، عن ما شاء الله، طبيبة المستقبل الحانية، الطبيبة ألاء أحمد أحمد. أتحدث فسلام عليك يا حبيبة الفؤاد، في الصالحات الجميلات الصابرات، وفي دنيا المستقبل المشرق إن شاء الله.