الخبير التربوي الدكتور ناصر الجندي يكتب “أزمة الثانوية العامة: كشف المستور وإعادة التفكير” (25)
الجامعة المنتظرة: هل تنقذ أحلامنا؟
بقلم الخبير التربوي الدكتور ناصر الجندي
حين تُعلَّق الأحلام على بوابة الجامعة
بعد سنوات من القلق والامتحانات والدروس الخصوصية والبكاء والانتظار، تقف الأسرة المصرية أمام اللحظة الحاسمة: “دخلنا إيه؟ كلية إيه؟ جامعة إيه؟” وفي خلفية المشهد، يقف سؤال أكبر، أعمق، وأكثر قسوة: هل الجامعة ستحقق ما وعدنا به المجتمع؟ هل ستُنقذ ما تبقى من أحلامنا التي أرهقتها الثانوية العامة؟
الجامعة كأمل مؤجل… أو وهم موروث
في ثقافتنا، تُصوَّر الجامعة على أنها بوابة المستقبل:
• من يدخل “كلية قمة”، فقد ضمن حياته.
• ومن التحق بـ”كلية ضعيفة”، فمصيره مجهول.
• ومن لم يدخل الجامعة، فقد أُغلقت الأبواب في وجهه.
لكن الواقع مختلف، ومخيب للآمال:
• خريجون بالمئات لا يجدون عملًا.
• شهادات لا تعني شيئًا في سوق العمل.
• مناهج جامدة لا تُكسب الطالب مهارات حقيقية.
• محاضرات لا حضور لها، وعلاقات شكلية مع أعضاء هيئة التدريس.
الجامعة، في صيغتها الحالية، تحولت عند كثير من الطلاب من حلم إلى صدمة.
ماذا ينتظر الطالب من الجامعة؟
حين يدخل الطالب الجامعة، فهو غالبًا يتوقع:
1. علماً حقيقياً يتجاوز ما تعلمه في المدرسة.
2. تنمية للذات: التفكير، الحوار، النقد، الإبداع.
3. تأهيل لسوق العمل: مهارات، تدريب، شبكة علاقات.
4. فضاءً حُرًّا للانتماء والنشاط والعمل الجماعي.
لكن في كثير من الأحيان، يُفاجَأ بـ:
• مناهج نظرية بعيدة عن الواقع.
• أساتذة يكررون ما في الكتاب.
• معامل ومكتبات غير محدثة.
• حياة جامعية باهتة لا تحتوي طاقاته.
فهل الجامعة ــ بهذه الصورة ــ قادرة على إنقاذ أحلامه؟ أم أنها تفتح فصلاً جديداً من الإحباط؟
سوق العمل لا يعترف بالشهادات فقط
التحاق الطالب بكلية مرموقة لا يعني شيئًا إن لم يكتسب مهارات العصر:
• التفكير النقدي،
• العمل الجماعي،
• مهارات التواصل،
• الحوسبة،
• إدارة الذات،
• القدرة على التعلم الذاتي المستمر.
والمؤسف أن معظم الجامعات لا تدرّب على هذه المهارات بشكل منهجي. في المقابل، أصبح كثير من الشباب يلجأ إلى “تعليم موازٍ” على الإنترنت، في ورش، أو حتى من خلال العمل التطوعي… بحثًا عن ما لم تقدمه له جامعته.

الجامعة الجديدة: الحلم الممكن
لكن هذا لا يعني فقدان الأمل. فبعض النماذج الجامعية بدأت تخرج من القالب التقليدي:
• جامعات أهلية تربط التعليم بسوق العمل وتُتيح مسارات مرنة.
• برامج دولية مشتركة تُقدم محتوى عصريًا بلغات متعددة.
• أنشطة طلابية قوية تمنح الشباب مهارات القيادة والمبادرة.
• جامعات تكنولوجية تقدم مسارات تطبيقية مطلوبة في سوق العمل.
هذه النماذج، وإن كانت محدودة، تُثبت أن التغيير ممكن.
ما الذي نحتاجه من الجامعة المنتظرة؟
لكي تكون الجامعة فعلاً نقطة تحول، يجب أن:
1. تُعيد تعريف رسالتها: ليست مجرد جهة لمنح الشهادات، بل صانعة إنسان ومواطن.
2. تدمج بين النظرية والتطبيق: مشروع تخرج حقيقي، تدريب في السوق، شراكات مع مؤسسات.
3. تفتح الباب للتعددية والتخصصات البينية: طالب يدرس علم النفس مع البرمجة، أو الاقتصاد مع الفنون.
4. تُشجع التفكير لا التلقين، والنقاش لا الصمت، والإبداع لا النسخ.
5. تُعيد الاعتبار للطالب كشريك في العملية التعليمية، لا كمتلقٍ سلبي.
الجامعة ليست النهاية
علينا أن نتحرر من وهم أن دخول الجامعة هو “نهاية الرحلة”. الجامعة ليست غاية، بل محطة من محطات التكوين. الطالب الذي ينجح بعد الجامعة هو من:
• لم ينتظر أن “تُعطيه” الجامعة، بل ذهب ليأخذ منها.
• لم يحصر نفسه في المقرر، بل تجاوز إلى القراءة والتدريب والعمل التطوعي.
• لم يتوقف عن التعلم عند التخرج، بل بدأ رحلة أعمق بعده.
الجامعة التي نحتاجها
نحتاج إلى جامعة ليست امتدادًا للمدرسة، بل قطيعة معها. جامعة تُنقذ أحلامنا لا لأنها “غاية”، بل لأنها تفتح بوابات الاحتمال، وتُعيد للطالب ثقته في نفسه وفي مستقبله. نحتاج جامعة تُخرّج بشرًا أحرارًا، مفكرين، فاعلين، لا مجرد موظفين محتملين.
ولعل السؤال الذي يجب أن يُطرح على كل جامعة اليوم ليس: كم عدد الطلاب الذين تخرجوا؟
بل: كم منهم حقق ذاته؟ كم منهم وجد طريقه؟ كم منهم أنقذ حلمه من الضياع؟