الخبير التربوي الدكتور ناصر الجندي يكتب “أزمة الثانوية العامة: كشف المستور وإعادة التفكير” (22)
الثانوية والأمل المؤجل: من المسؤول عن فوضى ما بعد النتائج؟
بقلم الخبير التربوي الدكتور ناصر الجندي
حين لا تنتهي القصة عند إعلان النتيجة
في كل عام، تقف آلاف الأسر على أطراف أصابع الانتظار، تترقب لحظة إعلان نتيجة الثانوية العامة وكأنها نهاية المعركة. لكن ما تلبث الفرحة أو الصدمة أن تهدأ، حتى تبدأ الفوضى الكبرى: إلى أين يذهب أبناؤنا الآن؟ كيف تُوزع الكليات؟ أين يختبئ الأمل؟ ومن يتحمل مسؤولية التخبط الذي يبتلع أحلام الشباب بعد أن تفتح الأبواب على مستقبل ضبابي؟
درجات بلا معنى إن لم تحدد مصيرًا عادلاً
يخرج الطلاب من لجان الامتحان، ثم ينتظرون النتيجة، فإذا جاءت، تبدأ الرحلة الأصعب: التنسيق. الطالب الذي نال 94% لا يجد له مكانًا في كليات القمة، بينما آخر حصل على 60% في نظام تعليمي مختلف يدخل كلية أفضل. وهنا تتكرر الأسئلة كل عام:
• لماذا لا تعكس النتيجة عدالة التوزيع؟
• كيف تتحكم نصف درجة في مصير شاب أو فتاة؟
• لماذا تُترك الرغبات جانبًا لصالح الأرقام الجافة؟
فوضى التنسيق: نظام لا يرحم ولا يُفهم
في مشهد فوضوي متكرر، يتكدس طلاب الشعبة الأدبية أمام كليات الحقوق والآداب، ويُدفع طلاب العلمي إلى كليات غير متخصصة بسبب مجاميع الكثافة. يروي “ياسين”، طالب علمي حصل على 93.5%: “كنت حالم بكلية الهندسة، لكن الحد الأدنى طار فوقي بنص درجة. دخلت كلية علوم وأنا مش فاهم هدرس إيه، ولا حابب المجال أصلاً.” ويضيف: “أنا مش فاشل… بس النظام ما إدانيش فرصة أختار ولا أبدع.”

الجامعات الخاصة: عندما يُشترى المستقبل
وسط هذا الارتباك، تظهر الجامعات الخاصة كمنفذ للنجاة… لكن لمن يملك المال. أسرة متوسطة قد تضطر لبيع ما تملك كي يلتحق ابنها بكلية أحلامه في جامعة خاصة، بينما الطالب الفقير لا يملك سوى الحسرة. وهكذا، يتحول العلم إلى سلعة، ويصبح الأمل مؤجلاً، أو مملوكًا لمن يملك الدفع.
الإعلام يزيد الطين بلة
بدلًا من التوعية والتهدئة، يُطل علينا الإعلام بخطاب السوق:
• “كليات القمة”،
• “السباق إلى الطب”،
• “من هو الأول على الجمهورية؟”
كلها عناوين تعيد تدوير وهم أن من لم يدخل كلية مرموقة قد فشل، وتغفل أن النجاح له وجوه متعددة لا تقف عند بوابة طب أو هندسة.
من المسؤول؟
1. وزارة التربية والتعليم: لأنها ما زالت عاجزة عن بناء منظومة تقويم تراعي التنوع وتُنصف التميز الحقيقي.
2. وزارة التعليم العالي: لأنها تُصر على التنسيق بالأرقام لا بالقدرات، وتُغلق الأبواب أمام نظام أكثر مرونة وإنصافًا.
3. الإعلام: لأنه يصنع من النتيجة معركة حياة أو موت، ويغيب عن دوره التربوي.
4. المجتمع: لأنه يُحمّل الشاب فوق طاقته، ويربط كرامته الاجتماعية بمكانه الجامعي، لا بإنسانيته وقدراته.
نحو أمل لا يُؤجل
الأمل الحقيقي لا يكون في انتظار نتيجة التنسيق، بل في:
• نظام يقيس المهارات لا المجاميع.
• فرص تعليم متنوعة تحترم ميول الطلاب وقدراتهم.
• توجيه مهني مبكر يساعد الطالب على اكتشاف ذاته.
• إعلام يعيد تعريف النجاح بأنه “تحقيق الذات” لا “دخول الكلية الفلانية”.
لا تقتلوا الحلم بالتنسيق
الثانوية ليست نهاية المطاف، والنتيجة ليست حكمًا بالإعدام ولا وسامًا أبديًا. الأمل لا يجب أن يُؤجل، بل يجب أن يُعاد توجيهه. فلنقف جميعًا أمام هذه الفوضى لا كمتفرجين، بل كمسؤولين. فكل شاب ضاع حلمه، وكل طالبة دخلت كلية تكرهها، هم شهادة إدانة لنظام بحاجة ماسة إلى إعادة بناء.