ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور

بقلم / محمـــد الدكـــروري

إن الحمد لله شارح صدور المؤمنين، فانقادوا إلى طاعته وحسن عبادته، والحمد له أن حبب إلينا الإيمان، وزينه في قلوبنا، يا ربنا نشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت، ونشهد أن محمدا عبد الله ورسوله، وصلى اللهم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين أجمعين، ثم أما بعد لقد حثنا الإسلام بالوصية علي الجار، وعدم إيذاء الناس، فعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنه قال “رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا قتيلا، فقال ما شأنه؟ قالوا إنه وثب على غنم بني زهرة فأخذ منها شاة، فوثب عليه كلب الماشية فقتله، فقال قتل نفسه وأضاع دينه وعصى ربه وخان أخاه، وكان الكلب خيرا منه ” وقال كذلك كان للحارث بن صعصعة ندماء لا يفارقهم، وكان شديد المحبة لهم، فخرج في بعض منتزهاته، ومعه ندماؤه، فتخلف منهم واحد، فدخل على زوجته. 

فأكلا وشربا، ثم إضطجعا، فوثب الكلب عليهما فقتلهما، فلما رجع الحارث إلى منزله وجدهما قتيلين فعرف الأمر، فأنشد يقول وما زال يرعى ذمتي ويحوطني ويحفظ عرسي والخليل يخون، فيا عجبا للخل يهتك حرمتي ويا عجبا للكلب كيف يصون، وكما أن من أعظم حقوق الجار، هو تحمل أذى الجار، فإن تحمل أذى الناس وبخاصة الجيران درجة رفيعة من درجات الإيمان حيث قال الله تعالى ” ادفع بالتي هي أحسن ” وكما قال تعالي ” ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور ” ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة ونعلم قصة اليهودي الذي كانت هديته اليومية لرسول الله صلى الله عليه وسلم كيسا من القمامة على باب البيت، فقيل خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذات يوم و لم يجد القمامة فعلم أن جاره المؤذي منعه مانع فذهب ليطمئن عليه. 

فإذا هو مريض، فعن مطرّف يعني ابن عبد الله قال كان يبلغني عن أبي ذر حديث وكنت أشتهي لقاءه فلقيته، فقلت يا أبا ذر، كان يبلغني عنك حديث، وكنت أشتهي لقاءك قال لله أبوك، لقد لقيتني فهات، قلت حديث بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثك قال “إن الله عز وجل يحب ثلاثة ويبغض ثلاثة” قال فما إخالني أكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فقلت فمن هؤلاء الثلاثة الذين يحبهم الله عز وجل ؟ قال ” رجل غزا في سبيل الله صابرا محتسبا فقاتل حتى قُتل، وأنتم تجدونه عندكم مكتوبا في كتاب الله عز وجل ” ثم تلا قول الله تعالي ” يقاتلون في سبيلة صفا كأنهم بنيان مرصوص ” قلت ومن ؟ قال “رجل كان له جار سوء يؤذيه فيصبر على أذاه حتى يكفيه الله إياه بحياة أو موت” رواه الطبرانى، وكان يقال ليس من حسن الجوار ترك الأذى.

ولكن الصبر على الأذى، وقد ورد عن الحسن رحمه الله قوله ليس حُسن الجوار كف الأذى، ولكن حسن الجوار هو الصبر على الأذى، وقيل جاء رجل إلى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وقال إن لي جار يؤذيني ويشتمني ويضيق عليّ فقال ابن مسعود رضي الله عنه اذهب فإن هو عصى الله فيك فأطع الله فيه، ولهذا قيل مروءة الرجل صدق لسانه، وإحتمال عثرات جيرانه، وبذل المعروف لأهل زمانه، وكفه الأذى عن أباعده وجيرانه، ويروى أن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كان له جار نصراني يؤذيه دائما كان بينه وبين بيته طاقة وهي فتحة في الحائط، وكان ينزل غائط الرجل النصراني علي الشيخ وكان الشيخ ينظفه كلما وجده وفي يوم كان الشيخ سينتقل لمنزل آخر. 

وذهب للرجل النصراني وقال له إن الجار الجديد قد لا يتحمل وأنه كان ينظف هذا الغائط كل يوم لكن لا يدري هل الجار الجديد يتحمل أم لا ؟ فأسلم الرجل النصراني من حسن جيرة الشيخ.

زر الذهاب إلى الأعلى