
إحياء الذكرى الرابعة لرحيل مترجم القرآن الكريم الدكتور محمد أبوليلة
اجتمع محبو وتلامذة وزملاء المفكر الإسلامي الكبير فضيلة الدكتور محمد أبوليلة، رئيس قسم الدراسات الإسلامية باللغة الإنجليزية بجامعة الأزهر وعضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية – رحمه الله – لإحياء الذكرى الرابعة لرحيله، في لقاءٍ مفعم بالمحبة والوفاء، استُحضرت فيه سيرة أحد أعلام الأزهر الشريف، ورمز من رموز الترجمة الإسلامية المعاصرة، الذي كرّس حياته لخدمة كتاب الله، ونشر رسالته بلغة العالم، وبقلب المؤمن، وعقل العالِم، ولسان الداعية. وقد أقيمت الفعالية في المقر الجديد لـجمعية التواصل الحضاري والمعهد العالي للدراسات الإسلامية باللغة الإنجليزية – الذي أسسه الدكتور الراحل – في منطقة المقطم، الهضبة الوسطى، ليكون المكان شاهدًا حيًا على مسيرته التي لم تكن مجرد سيرة علمية، بل تجربة إنسانية وروحية، ملأها بالعطاء والبصيرة، وغرس فيها حب العلم والدين واللغة. لقد كان الدكتور محمد أبوليلة علمًا من أعلام الأزهر، وركنًا راسخًا من أركان الترجمة الإسلامية في العصر الحديث، ومرجعًا عالميًا في ترجمة معاني القرآن الكريم إلى اللغة الإنجليزية.
تميز بأسلوبه الذي جمع بين عمق الفهم الشرعي ودقة التعبير اللغوي، حتى صار اسمه عَلَمًا في هذا الميدان، وواجهة مشرّفة للإسلام في المؤتمرات الدولية والمحافل الأكاديمية. كما أنشأ المعهد العالي للدراسات الإسلامية باللغة الإنجليزية ليكون منارةً للتكوين العلمي والتواصل الحضاري، يُخرّج أجيالًا من الدارسين المتمكنين من اللغة والرسالة على السواء، ويزرع في نفوسهم روح الانتماء والمسؤولية.
وقد أدار اللقاء بكل اقتدار اللواء محمد عبد الحي، في أجواء سادها التقدير والإجلال لذكرى الراحل الكريم، وشارك في إحياء الذكرى ثلّة من الشخصيات البارزة الذين ألقوا كلمات مؤثرة عبّرت عن محبتهم وتقديرهم لهذا العالم الفذ، منهم: الإذاعي الكبير الأستاذ عادل عبد القادر، رئيس شبكة إذاعة القرآن الكريم السابق، والدكتور أحمد رجب الأستاذ بكلية اللغات والترجمة بجامعة الأزهر، والأستاذ الصحفي حازم عبده، مدير تحرير جريدة اللواء الإسلامي، والمهندس أحمد فتحي، والدكتور أحمد السعيد ، عضو هيئة التدريس بجامعة الأزهر، والأستاذ بكلية اللغات والترجمة – قسم اللغة الإنجليزية، مشيداً بفضل الراحل الكبير وسيرته العطرة.، والدكتور أحمد حمزة، والأستاذ محمد حسين عبد النبي، وفضيلة الشيخ عبد النبي سالم، مفتش بوزارة الأوقاف.
وفي كلمة مؤثرة، قال الدكتور إسماعيل زين خضر إن الدكتور محمد أبوليلة رحمه الله، مضى إلى ربه بعد أن ملأ حياته بالعلم والعمل والدعوة والجهاد في سبيل إيصال رسالة الإسلام إلى العالمين. وأضاف: “لقد جمع بين سكينة العلماء وهمة الدعاة، وبين عمق الفقيه وسماحة المربّي. ما رأيته إلا متواضعًا لله، حريصًا على الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، منصرفًا بكامل طاقته لخدمة القرآن الكريم، وترجمة معانيه إلى الإنجليزية بدقة علمية وأمانة دعوية جعلته من الرواد في هذا المجال”. وتابع قائلًا: “لم يكن الدكتور أبوليلة مجرد أستاذ أو مترجم أو باحث، بل كان حاملًا لهمّ الرسالة، مؤمنًا بأن الإسلام دين الرحمة والعدل، وأنه جدير بأن يُعرَّف به العالم بلغاته كلها. وقد جعل من حياته كلها وقفًا لهذه الغاية النبيلة، فجزاه الله عنا خير الجزاء، وجعل علمه في ميزان حسناته”.
كما تحدث الأستاذ مصطفى طلعت، أحد تلامذة الدكتور أبوليلة وخريج كلية اللغات والترجمة، بكلمات صادقة مؤثرة عن مآثر أستاذه، وفضله في تكوين جيل من الدارسين الحاملين لرسالة القرآن بلغة الآخر، مشيرًا إلى ما غرسه فيه من قيم التواضع والانضباط والإخلاص في طلب العلم والدعوة.
وشهد اللقاء مداخلات طيبة من الحاضرين، إلى جانب حضور مميز من الطلبة والطالبات الذين حملوا في قلوبهم الوفاء لهذا العالِم الجليل الذي علّمهم بالعلم والعمل والقدوة الحسنة. لقد اتسمت الكلمات جميعها بالصدق والإخلاص، وانطلقت من قلوب أحبت هذا العالم وتعلّقت بنهجه وسيرته، فكان هذا اللقاء عنوانًا لمحبة لا تموت، وعلم لا ينقطع، وذكرى خالدة في الوجدان.
وقد توجّه الجميع بالشكر والعرفان للأستاذة الدكتورة نور شيف رفعت، أستاذ العقيدة والفلسفة بجامعة الأزهر، وزوجة الدكتور محمد أبو ليلة، على ما أبدته من حُسن تنظيم، ورقي استقبال، وكرم ضيافة، يليق بمكانة المحتفى بذكراه.
وقد عبّروا عن بالغ حبهم وتقديرهم للدكتور محمد أبو ليلة، مؤكدين أن روحه الطاهرة، وأخلاقه الرفيعة، ومؤلفاته العلمية لا تزال حاضرة في الوجدان، نابضة بالحياة، تنير دروب السائرين في طريق العلم والدعوة. لقد ترك أثراً طيباً وعميقاً في قلوب كل من عرفه، بما كان يتحلى به من نصح صادق، وتوجيه حكيم، ومحبة صافية، وكرم فيّاض، وعطاء لا ينقطع، وزهدٍ في الدنيا لا يملك إلا أن يوقظ فيك معاني الورع والتجرد.
كان رحمه الله عالماً موسوعياً، نهل من مختلف العلوم، واطلع على شتى الثقافات، وجاب بلاد العالم شرقاً وغرباً، ناشراً دعوة الإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة، باللغتين العربية والأجنبية، يحمل في قلبه همّ الدعوة، وعلى لسانه لسان الصدق، وعلى وجهه نور الإيمان.
وكان كثيراً ما يردد قوله المأثور: “أنفاس الصالحين تِرياق وعلاج وشفاء، وأنفاس الخبثاء داء ووباء”، وكان رحمه الله ممن يُلهمهم الله البصيرة، فيرى بنور الله، فيدرك ما في القلوب دون أن يُقال، ويشعر بما يخفى من النفوس، فله فراسة المؤمن وخفة ظل تُبهج الأرواح وتُسر بها العيون.
لم يبخل يوماً بعلمه ولا بماله، فأعان طلاب العلم، وساعد الفقراء والمحتاجين، واحتفى بحَفَظة القرآن الكريم، ولم يتنكر يوماً لقريته، بل كان حريصاً على حضور الاحتفالات والندوات في المساجد والنوادي، ومشاركة الناس صلاة العيد وأفراحهم، وكانت له بصمات واضحة ومؤثرة في مجتمعه، من خلال مشروعات خيرية كانت ثمرة توجيهاته ومشاركاته، ابتغاء وجه الله تعالى وحده.
رحم الله الدكتور محمد أبوليلة، وأسكنه فسيح جناته، وجعل علمه وعمله نورًا لا ينطفئ، وأثرًا لا يزول.