الدولة الإسلامية ضرورة شرعية وتاريخية

بقلم / محمـــد الدكـــروري

الحمد لله الجبار المعبود، الذي أباد بسطوته قوم نوح، وأهلك عاد وقوم هود، وأعاد من بعد عاد دائرة السوء على ثمود، وسلط ضعيف البعوض على النمرود، وأغرق فرعون وقومه لما تلاطمت عليهم الأمواج الصدود، وأعمى بصائر الجاحدين ففي أعناقهم أغلال وفي أرجلهم قيود ” فالذين كفرو قطعت لهم ثياب من نار يصب من فوق رءوسهم الحميم، يصهر به ما في بطونهم والجلود ” وأشهد إن لا اله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو علي كل شيء قدير، عز فلا تراه الظنون وجل فلا يعتريه المنون، تفرد في ملكه بالبقاء وكل الورى بالفناء ذاهبون، ويفعل في خلقه ما يشاء بغير اعتراض وهم يسألون، وأشهد أن سيدنا وحبيبنا وشفيعنا محمد عبد الله ورسوله وصفيه من خلقه وحبيبه صاحب اللواء المعقود، والحوض المورود، إذا ما شئت في الدارين تسعد.

فكثر في الصلاة على محمد، وإن شئت قبول لها يقينا فختم بالصلاة على محـمد، وقل يارب لا تقطع رجائي وكن لي بالصلاة على محمد، وعلي اله وأصحابه ومن سار على نهجه وتمسك بسنته وإقتدى بهديه وإتبعهم بإحسان إلي يوم الدين ونحن معهم يا أرحم الراحمين ثم أما بعد حيث كانت الدولة الإسلامية ضرورة شرعية وتاريخية، فإن مسار سيرة النبي الكريم المصطفي محمد صلى الله عليه وسلم كان مسار رجل يبحث عن القلوب ليهديها ويعطيها الإيمان، وكان في ذات الوقت مسار رجل يبحث عن الأرض لإقامة الدولة، فالمرحلة المكية كانت غرسا للعقيدة الإسلامية في النفوس ونشرا لهذا النوع الجديد من الوعي ولهذه النظرة الجديدة إلى الإنسان والناس والكون وطبيعة الحياة وهدف الوجود، ولكنها بزاوية نظر أخرى كانت أيضا مرحلة البحث عن الأرض التي تقوم فيها الدولة الإسلامية. 

ويبدو هذا الهدف وهو البحث عن أرض لإقامة الدولة واضحا في كل خطوات النبي المصطفي صلى الله عليه وسلم، فمبكرا جدا كان حريصا على إيمان سادات قريش وكبرائها، وكان حرصه عظيما إلى الحد الذي عوتب فيه صلى الله عليه وسلم بقرآن يصفه بأنه “يقتل نفسه” من الغم لعدم إيمانهم، ثم عوتب المصطفي صلى الله عليه وسلم حين عبس لأعمى شغله عن جلسة مع كبار القوم، ولكن اللافت للنظر، والجدير بالتأمل والإعتبار، هو أن الرسول صلى الله عليه وسلم وقد واجه إصرارهم على ما هم فيه وإستكبارهم عن الإيمان، لم يقعد جالسا منتظرا أن يحول الله قلب أحدهم إلى الإيمان، أو منتظرا تغير الظروف والأحوال وموازين القوى في مكة، بل جدّ في البحث بعدما بدا أن الأحوال في مكة لا تبشر بخير في المدى المنظور.

 

فكان أن خرج النبي المصطفي صلى الله عليه وسلم إلى الطائف وهي القوة المنافسة لقريش في الجزيرة باحثا عن هذه الأرض وعن هذه الحماية التي تمكنه من الإنطلاق في دعوة الناس إلى الإسلام، وحين ووجه هناك بأقسى مما توقع فأوذي وأُهين وهو الكريم النسب والخلق وبعد أن تجاوز الخمسين صلى الله عليه وسلم، لم يقعد ولم ينتظر، بل لقد وسع دائرة البحث حتى كان يعرض نفسه، وكم توحي هذه العبارة بالإصرار على الهدف، كما توحي بالهوان على الناس على القبائل في موسم الحج، وكان شعار هذه الفترة معبرا عن طبيعة الهدف ” ألا رجل يحملني إلى قومه؟ فإن قريشا قد منعوني أن أبلغ كلام ربي” وذكر أصحاب السيرة أسماء خمس عشرة قبيلة كلها رفضت دعوته، حتى أعثره الله تعالي في آخر الأمر على النفر الستة من يثرب، فأيده الله بهم.

وأخيرا تحقق الهدف ووجدت الأرض التي تستعد لإقامة دولة الفكرة، دولة الإسلام، وعبر بيعتي العقبة الصغرى والكبرى، وسفارة الصحابي الجليل مصعب بن عمير رضي الله عنه الذي جمع بين علم يستوعب به الرسالة ودبلوماسية يستوعب بها الواقع وأهداف المرحلة تم الإعداد لدولة الإسلام في المدينة، وفي هذه اللحظة إنتهت المرحلة المكية وبدأت المر

حلة المدنية.

زر الذهاب إلى الأعلى