
الأب كالعمر لا تضيعه
بقلم د. أحمد أحمد عبده -عضو هيئة التدريس بقسم مقارنة الأديان- جامعة الزقازيق .
علي غير العادة، يتم الحديث عن الأب بعدما تحدث الكثيرون عن الأم وفضلها، ومعهم كل الحق بعد أن أوصى الله جلّ ثناؤه وتقدست أسماؤه بها في كتابٍ مسطور يُتلى إلى يوم الدين، وأوصى بها سيدُنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في معرض أحاديثه الطاهرة. ولكنني اليوم سأتحدث عن الآباء بوجه عام، وعن ثُلّة مباركة منهم حبَاهم ربهم بعض الميزات عن أقرانهم… فالأب ظهر وسند لأبنائه كلهم، فلا ميزة لولدٍ على آخر إلا إذا كان حافظًا لكتاب الله أو عالمًا يجلب الفخر والعزّ لذويه، جميل الذكر، عاطرَه.
ولكن في النهاية، للأبناء جميعهم حقوق على آبائهم من تربيةٍ صالحة، واختيار أمٍّ صالحة، واسمٍ صالحٍ طيّبٍ لا يُعَيَّر به الولد بين الناس، والولد تشمل الذكر والأنثى. وأهمس في أذن بعض المغيّبين من الآباء بأنّ التمييز بين الأبناء دون مبرر شرعي حرامٌ شرعًا، ويورث آثارًا سلبية. ومعنى المبرر الشرعي هو لعِلَّةٍ كمرض، أو حاجة، أو الانشغال بطلب العلم، أو نحوها من المبررات الشرعية، لكن لأسباب واهية من أبٍ لم ينل قسطًا من النور المعرفي، كقول: إنّ هذا الولد بعينه يشبهني أو يحمل صفاتي! هذا هراء لا طائل منه، ولا سيما إذا كان الأب ليس به ميزات وصفات نافعة تنفع الناس والمسلمين.
فحبّ الأب لأولاده حبٌّ صادقٌ دون أنانية، خوفٌ صادقٌ عليهم وعلى مصلحتهم، حبٌّ سرمدي لا يتركك في منتصف الطريق، لا يُفلت يده من يدك حبًّا وحنانًا ليعبر بك إلى شاطئ الأمان. هو الجدار الثابت السامق الذي يعلو بك وتتكئ عليه فلا يميل ولا ينحني. فالأب ظلٌّ، وهدوءٌ، وسكينةٌ، وعِوَض، وهو الحالة الوحيدة من بين البشر الذي يتمنى أن تكون أحسن منه حالًا، وأعلى مقامًا. هو حبلٌ قويٌّ متينٌ تعتصم به في أوقات الغرق الدنيوي بكل ما في الدنيا من فتنٍ وأمواج بلاءٍ عاتية. فحب الأب لك يفوق كل الحدود، هو الرفيق والصديق، هو الأمان والسلام على ظهر البسيطة.
فاحرص على رضاه، لأنّ ذلك من رضا ربّ العزة، وأتذكر الحديث النبوي الذي رواه الترمذي وابن ماجه، قول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: “الوالد أوسط أبواب الجنة، فإن شئت فأضع هذا الباب أو احفظه“. هذا عن الأب بوجه عام… فماذا عن الأب الذي ميّزه ربّ العالمين بميزات طاهرة: بعلمٍ نافع، وقلبٍ يافع، وسمعة طيبة بين الناس؟ فسيرته محمودة، واسمه يُترنَّم به في كل أنواع الجمال والصفاء.
كلمة أطلقها إلى الأبناء الذين حبَاهم الله بهذا النوع من الآباء: احمدوا الله عزّ وجلّ أن أصدقاءكم يحسدونكم على والدكم، واشكروا الله على وجوده في هذه الدنيا. هذا النوع من الآباء إذا ابتسم لك، فاعلم أن العالم كله يحتفل بابتسامته رضا عنك ولك، واعلم أنه الجزء الأجمل في كل مراحل حياتك، والظل الحامي حتى في وقت غيابه. إنه في القدر فوق الذي في الشعر قد كُتبا. أهمس في أذن الذي رحل أبوه إلى الرفيق الأعلى أن يذهب لزيارة قبره، ويقول: على ذلك القبر السلام، فذكرُه… أريجٌ به نفسي عن العطر تستغني. وأتذكر قول إيليا أبو ماضي: “أبي وإذا ما قلتها فكأنني أنادي وأدعو: يا ملاذي ويا ركني…” فسلام الله على الآباء بوجه عام، وعلى أصحاب المنح والنفحات بوجه خاص… وأختم بالملاذ الأعظم والركن الأوحد، ربّ العزة جلّ ثناؤه وتقدست أسماؤه، بقوله عزّ وجلّ: “ووصّينا الإنسان بوالديه إحسانًا…”، ويشمل ذلك الإحسانَ للوالدين وبرّهما بالقلب والجوارح… والحمد لله في بدء وفي خَتْم.