
اتباع الهوى … حين تُطفأ مصابيح العقل
بقلم : الدكتورة شيماء سعيد
الهوى ليس خاطرة عابرة تمرُّ في القلب ثم تمضي، بل هو ميلٌ جامح إذا لم يُقوَّم، جرَّ صاحبه إلى مهاوي الضياع. وما ضلَّ من ضل، ولا غوى من غوى، إلا حين اتخذ الهوى إلهًا من دون الله، فانقاد له، وأسلم له الزمام، وأغلق أبواب العقل والبصيرة، في كل نفس بشريّة ميلٌ غريزيّ نحو ما تهواه، ولكن ما يفصل بين العدل والظلم، وبين الصلاح والفساد، هو قدرة الإنسان على كبح جماح هواه. فإذا غلب الهوى على العقل، واختنق صوت الضمير، أصبح صاحبه عبدًا لرغباته، ولو كان في ذلك ظلمٌ لنفسه أو لغيره. وهنا تتجلى العلاقة الوثيقة بين اتباع الهوى و الوقوع في الظلم اتباع الهوى هو أن تُعلي رغبتك فوق قيمك، أن تُخضع الحق لما تشتهي، لا أن تُخضع نفسك لما هو حق. هو أن تختار الطريق الأسهل، ولو كان طريقًا إلى الهاوية، لمجرد أنه يُرضي ميولك المؤقتة، ويُسكت صوت الوجدان. الهوى بطبيعته لا يزن الأمور بميزان العدل، بل بميزان المصلحة الشخصية والرغبة اللحظية. ولذا، فإن من اتبع هواه قد يبرر لنفسه أفعالًا جائرة، ويغض الطرف عن حدود الشرع والحق، تحت ستار المتعة أو المكاسب أو السلطة، فقال تعالى في تحذيره البليغ: “ولا تتبع الهوى فيُضلك عن سبيل الله” [ص: 26] فالضلال هنا ليس فقط انحرافًا فكريًّا، بل هو أيضًا انحراف أخلاقيّ وسلوكيّ يُفضي إلى الظلم. الهوى يطمس البصيرة عندما يتحكم الهوى في القلب، يُعمي الإنسان عن رؤية الحق، ويجعله ينتصر لرأيه، أو قبيلته، أو مصلحته، ولو على حساب الآخرين. ولهذا قال ابن تيمية: “العدل أصل كل شيء، فإذا فسد العدل، فسدت الأمور، وإن كان فيها من الخير ما فيها، والهوى أفسد ما بين الناس، وهناك أمثلة من الواقع والشرع نرى في حياتنا كيف يتحول المسؤول الذي يتبع هواه إلى ظالم، يميل إلى فئة دون فئة، ويتخذ قرارات لا تخدم إلا مصلحته أو من يُجاملهم. وكذلك الحاكم الذي يحكم بالهوى، يعصف بالحقوق، ويقلب الموازين، ويشيع الظلم بدلًا من العدل. وقد حذّر الله القضاة وأهل الحكم فقال: “فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله” [ص: 26] اتباع الهوى ظلم للنفس ليس الظلم فقط للآخرين، بل إن أول المظلومين باتباع الهوى هو الإنسان نفسه؛ إذ يُضيّع آخرتَه من أجل لحظة شهوة، أو غضبة نفس، أو لذة زائلة. ويحمّل قلبه أوزارًا، وضميره ندمًا، وعقله اضطرابًا. قال بعض السلف: “ما أطاع الله من عصاه بهواه.” لقد حذر القرآن الكريم من الهوى في مواضع عديدة، قال تعالى: “أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم” [الجاثية: 23] فأيُّ ضلالٍ أشدُّ من أن يعبد الإنسان هواه، ويقدّمه على عقله ودينه؟! اتباع الهوى قد يتجلى في شهواتٍ ظاهرة، وقد يلبس ثوب الحُجج الباطلة، فيبرر الإنسان لنفسه ما يعلم في قرارة نفسه أنه خطأ. وتلك هي الفتنة الكبرى، أن تُفتَن فلا تدري، وأن تضلَّ وأنت تظن نفسك على هدى. الهوى لا يقتصر أثره على الفرد، بل يمتد إلى المجتمعات، فيعصف بالحق، ويشوّه القيم، ويجعل المنكر مستساغًا، والمعروف مستغربًا. وليس الحل في قمع المشاعر، بل في تهذيبها. فالنفس البشرية خُلقت لتشتهي، ولكن خُلقت العقول لتقود، لا لتُقاد. ومن أراد النجاة، فعليه أن يزن أهواءه بميزان الشرع والعقل، فإن وافقته، فبها ونعمت، وإن خالفته، فليقف، وليتذكر أن ما عند الله خير وأبقى.