الدكتور ناصر الجندي يكتب بين الصليب والهلال: رحلة إنسانية إلى قلب الإيمان المشترك
بقلم الدكتور ناصر الجندي
تخيل أنك تملك القدرة على السفر عبر الزمن، فتقف لحظة في حضرة المسيح عيسى بن مريم في بيت لحم، ثم تقف بعدها بستة قرون في حضرة النبي محمد ﷺ في مكة. نفس السؤال تطرحه على كليهما:
“من هو الله؟”، “ماذا يريد من الإنسان؟”، “وما هي الحياة الحقيقية؟”
هل ستختلف الإجابة؟ أم أن النور واحد، والمصابيح متعددة؟
هذا السؤال ليس مجرّد تأمل عابر أو تمرينًا ذهنيًا. بل هو صرخة إنسانية تبحث عن المعنى وسط ضجيج الاختلاف، ونداء صادق من القلب:
هل يمكن أن نكون مختلفين في العقيدة، لكن متشابهين في العمق؟
في هذا المقال، نأخذك في رحلة إنسانية روحية عابرة للزمن، لا لنقارن بين الإسلام والمسيحية، بل لنبحث عن الجسر بينهما، عن اللغة المشتركة التي يتحدث بها القلب حين يواجه الله، وحين يواجه الآخر.
إله واحد… بقلوب متعددة
في قلب كل من الإسلام والمسيحية، ينبض الإيمان بـ إله واحد، لا شريك له في الخلق، ولا مثيل له في الرحمة.
يقول القرآن:
“قل هو الله أحد * الله الصمد * لم يلد ولم يولد * ولم يكن له كفوًا أحد” (الإخلاص)
وفي التوراة والإنجيل:
“اسمع يا إسرائيل: الرب إلهنا رب واحد” (تثنية 6: 4)
هذه الآية، المعروفة باسم “الشِّمَع”، ليست مجرد عقيدة دينية، بل صدى أولي في ضمير الإنسان، أن هناك من فوقنا رحيمًا، عادلًا، يرى كل شيء، ويسمع نبض قلوبنا قبل أن ننطق به.
لكن فهمنا لهذا الإله يختلف. فبينما يرى الإسلام أن الله متفرّد، لا يُشبَّه ولا يُجَسَّد، ترى بعض التقاليد المسيحية أن لله “وجوهًا في وحدته”، تجلّت في الآب والابن والروح القدس، لا كتعدد، بل كعلاقة حب داخل الذات الإلهية.
كتب اللاهوتي الكاثوليكي روجر هايت:
“الثالوث هو لغة الحب في قلب الله، وليس نفيًا لوحدانيته.”(Haight, 2000)
أما القرآن، فيصر على رفض كل تشبيه لله، محذرًا من أي خلط بين الإله والمخلوق:
“لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم” (المائدة: 72)
ومع ذلك، يبقى الجوهر المشترك هو التوحيد، الإيمان بإله لا يُرى بالعين، بل يُدرك بالقلب.

الأنبياء: رسل النور عبر العصور
ما الذي يربط بين إبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد؟ ليس فقط أنهم أنبياء، بل أنهم قناديل مضيئة على طريق الإنسان إلى الله.
يقول القرآن:
“لا نفرق بين أحد من رسله” (البقرة: 285)
ويصف عيسى بأنه:
“كلمته ألقاها إلى مريم وروح منه” (النساء: 171)
أما المسيحية، فترى في عيسى تجسدًا للكلمة، كلمة الله التي أصبحت إنسانًا:
“والكلمة صار جسدًا وسكن بيننا” (يوحنا 1: 14)
في رؤيتين مختلفتين، تظل النتيجة واحدة: عيسى كان نورًا يمشي بين الناس، يلمس المرضى، ويغفر للخطاة، ويدعو إلى الحب.
أما محمد ﷺ، فقد جاء متممًا لما سبقه، مؤكدًا أن الرسالة لم تكن جديدة، بل تذكيرًا بالعهد الأول.
كتب المؤرخ الديني مارتن مارتن:
“لفهم المسيحية، لا بد أن نعود إلى إبراهيم، ولفهم الإسلام، لا بد أن نستمع لعيسى.” (Marty, 2004)
الأخلاق: اللغة التي يفهمها الجميع
حين يمدّ الفقير يده، لا يسألك عن دينك. وحين يبكي طفل، لا يعرف من أي مذهب أنت. في لحظات الضعف والرحمة، تتكلم الأخلاق بلغتها الخالدة.
قال عيسى:
“طوبى للرحماء، لأنهم يُرحمون” (متى 5: 7)
وقال النبي محمد ﷺ:
“الراحمون يرحمهم الرحمن” (رواه الترمذي)
كلاهما يدعونا إلى أن نكون بشرًا قبل أن نكون مؤمنين، وإلى أن نكون أمناء مع الناس قبل أن نكون حُجّاجًا أو رهبانًا.
يقول الفيلسوف المسلم طارق رمضان:
“الدين الذي لا ينتج رحمة، ليس من الله.” (Ramadan, 2004)
العبادة… جسور القلب نحو السماء
قد يركع المسلم خمس مرات في اليوم، ويصلي المسيحي بصمت في زاوية كنيسة… قد يختلف الشكل، لكن النية واحدة: الوصول إلى الله.
الصلاة:
المسلم يضع جبينه على الأرض، كأنه يقول: “أنا من تراب”.
المسيحي يرفع يده نحو السماء، كأنه يقول: “خذ بيدي، يا من في العُلى”.
الصوم:
المسلم يمسك عن الطعام والهوى.
المسيحي يصوم عن اللذة والترف.
كلاهما يبحث عن الخفّة الروحية.
الصدقة والزكاة:
في الإسلام، الزكاة فريضة منظمة.
في المسيحية، العطاء سرّ بينك وبين الله.
الحج:
المسلم يطوف حول الكعبة، مركز الأرض.
المسيحي يزور كنيسة القيامة أو بيت لحم، يبحث عن لحظة ولادة روحية.
كتب هنري كوربون:
“العبادة ليست طقسًا، بل عبور من العالم إلى الله، ومن الذات إلى الروح.” (Corbin, 1993)
الحوار: أن نسمع لا أن نحكم
في هذا العالم المشتعل، لم نعد نحتاج إلى مناظرات، بل إلى مصافحات.
لا نحتاج إلى أن نثبت من على حق، بل إلى أن نعيش معًا بسلام.
يقول القرآن:
“تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم” (آل عمران: 64)
ويقول الباحث جون إسكويث:
“الحوار بين الأديان لا يبدأ من العقيدة، بل من الإنسانية المشتركة.” (Esposito, 2011)
ما يجمعنا أكثر مما يفرقنا
ربما نختلف في كيف نرى الله، أو في كيف نفهم النبي، أو في أي كتاب نقرأ عند الفجر.
لكننا نتشابه في البكاء حين نحزن، وفي الرجاء حين نُصلّي، وفي الدعاء حين نحب.
الإسلام والمسيحية لم يخلقهما البشر ليتقاتلوا، بل أرسلتهما السماء ليتكاملوا.
فلنمدّ جسور الفهم، لا لنُذيب الفوارق، بل لنحتفل بها… لأن الله، الواحد، خلقنا شعوبًا وقبائل لنتعارف.