دكتور أشرف إبراهيم زيدان يكتب عن”الرومانسية”

دكتور أشرف إبراهيم زيدان
     جامعة بور سعيد
   يُعدّ مصطلح رومانسي ضرورياً عند الإشارة إلى أبرز الكتّاب الذين لمع نجمهم في أواخر القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر، غير أنه يحمل قدراً من الالتباس؛ إذ لم تكن هناك آنذاك حركة أدبية تُعرف باسم الرومانسية، كما أن كبار كتّاب تلك الحقبة لم يطلقوا على أنفسهم هذا اللقب. ولم تتبلور الفروقات بين السمات العضوية والتشكيلية في الفن الرومانسي، في مقابل الطابع الميكانيكي للكلاسيكية، إلا لاحقاً، وتحديداً في محاضرات ألقاها أغسطس فيلهلم فون شليغل في فيينا خلال عامي 1808 و1809.

   رأى العديد من أبرز كتّاب ذلك العصر أن العالم يشهد تحولًا جديدًا. ففي عام 1793، أعلن ويليام بليك أن “سماء جديدة قد ظهرت”، وبعد جيل، أكّد بيرسي بيش شيلي أن “عصر العالم العظيم يبدأ من جديد”. أما جون كيتس، فقد كتب عن لي هانت وويليام وردزوورث قائلاً: “سيمنح هؤلاءُ العالمَ قلبًا جديدًا ونبضات جديدة”. ظهرت مُثُل جديدة إلى الساحة، وكان من أبرزها توسع مفهوم الحرية، الذي لطالما كان موضع تقدير في إنجلترا، ليشمل جميع مجالات النشاط الإنساني. ومع انتشار هذا المثل في أرجاء أوروبا، بدا من الطبيعي أن يؤمن الناس باقتراب نهاية عصر الطغاة.

  أبرز ما يميز الشعر في تلك الفترة هو الدور الجديد الذي أُسند إلى الفكر الفردي والشعور الشخصي. ففي حين كان الاتجاه السائد في شعر القرن الثامن عشر يميل إلى تمجيد العام، حيث يُنظر إلى الشاعر كمتحدث باسم المجتمع يخاطب جمهورًا مثقفًا ومتجانسًا لنقل الحقيقة، رأى الرومانسيون أن جوهر الشعر يكمن في التجربة الفردية الفريدة. عبّر ويليام بليك عن هذا التوجه بحدة في تعليقه الهامشي على كتاب “خطابات” للسير جوشوا رينولدز، حيث قال: “التعميم هو الحماقة بعينها، أما التخصيص فهو ما يميزك عن غيرك”. أصبح الشاعر يُرى كشخصية فريدة تتفوق بإدراكها العميق، ويتخذ من تأملاته الخاصة موضوعًا رئيسًا لعمله. وبات الشعر يُعد وسيلة لنقل حقيقة الشاعر الذاتية، حيث أصبح الإخلاص المعيار الأساسي للحكم على قيمته.

   كان التركيز على المشاعر، الذي بلغ ذروته ربما في قصائد روبرت بيرنز، امتدادًا لتقديس الإحساس المرهف التي ازدهرت في فترات سابقة. ومن اللافت أن ألكسندر بوب أشاد بوالده لكونه لا يعرف سوى لغة القلب. إلا أن المشاعر اكتسبت تأكيدًا خاصًا خلال العصر الرومانسي، وأصبحت محورية في معظم تعريفاته للشعر. وصف ووردزوورث الشعر بأنه “فيض عفوي من المشاعر القوية”، بينما عرّفه جون ستيوارت ميل في عام 1833 بأنه “الشعور ذاته، الذي يستخدم الفكر فقط كأداة للتعبير عنه”. بناءً على ذلك، أعد الشعر الأسمى هو ذلك الذي ينقل أعظم درجات الشدة العاطفية، مما منح الشعر الغنائي مكانة جديدة ومميزة.

  كانت الكتابة الرومانسية تتميز بتحولها من الاعتماد على التقاليد المحاكية أو المقلدة التي ميزت العصر الكلاسيكي الجديد إلى إيلاء أهمية أكبر للخيال. فقد اعتبر صامويل تايلور كولريدج الخيال أعظم الصفات الشعرية، واصفًا إياه بأنه قوة إبداعية شبه إلهية تجعل من الشاعر كائناً أقرب إلى الإله. بينما رأى صامويل جونسون أن الشعر يتألف من “الإبداع والخيال والتمييز العقلي”، أكد بليك أن “هناك قوة واحدة فقط تصنع الشاعر: الخيال، الرؤية الإلهية”.

ادب

  منح شعراء تلك الفترة اهتمامًا كبيرًا لآليات العقل اللاواعي، والأحلام، والخيالات، والظواهر الخارقة للطبيعة، إضافة إلى النظرة الطفولية أو البدائية للعالم، التي كانت تُقدَّر لقيمتها الواضحة والمكثفة غير المقيّدة بقيود العقل المتحضر. وغالبًا ما كان مفهوم جان جاك روسو العاطفي عن الوحش النبيل يُستشهد به، بالرغم من أن الكثيرين يجهلون أن هذه العبارة في الأصل تعود إلى درايدن، وأن هذا النموذج البشري ورد ذكره سابقًا في “الهندي الفقير” ضمن مقالة بوب عن الإنسان.

    من أبرز المؤشرات على تراجع التركيز على التعبير الرسمي في الشعر هو تبني الرومانسيين لموقف مختلف تجاه الشكل. فقد اعتبروا أن الشعر، لكي يكون عفويًا، صادقًا، ومكثفًا، يجب أن يتبع في الأساس إملاءات الخيال الإبداعي. وقد عبّر وردزورث عن هذه الفكرة بنصيحته لشاعر شاب: “إذا شعرت بقوة، فثق بمشاعرك، فقصيدتك ستتخذ شكلها وأبعادها بنفس الطريقة التي تنمو بها الشجرة من المبدأ الحيوي الذي يحركها”. جاءت هذه النظرة العضوية للشعر على خلاف النظرية الكلاسيكية لـــ الأنواع، التي تفترض وجود قواعد لغوية محددة لكل نوع. كما أدت إلى الاعتقاد بأن الوصول إلى العظمة الشعرية لا يمكن تحقيقه إلا في المقاطع القصيرة.

    مع ظهور مفهوم جديد للشعر والتركيز على مواضيع جديدة، تزايدت الحاجة إلى أساليب مبتكرة في الكتابة. فقد أعد وردزوورث وأتباعه، لا سيما كيتس، أن الأسلوب الشعري الذي كان سائدًا في أواخر القرن الثامن عشر بات مبتذلًا ومصطنعًا، أو مبهرجا وتافها، وغير ملائم تمامًا للتعبير عن رؤاهم الشعرية. من وجهة نظرهم، لم يكن هذا الأسلوب يعبر عن لغة المشاعر، لذا سعى وردزوورث إلى تقريب لغة الشعر من لغة الكلام العادي. ومع ذلك، كان أسلوب وردزوورث نفسه يبتعد أحيانًا عن هذه النظرية. وبحلول عام 1800، عندما نشر مقدمة ديوانه “القصائد الغنائية”، أصبح واضحًا أن الأسلوب الشعري المرن الذي ميز أوائل القرن الثامن عشر قد تحول إلى لغة تقليدية جامدة بحاجة إلى تغيير جذري.

زر الذهاب إلى الأعلى