الدكتور ناصر الجندي يكتب:”عيد القيامة في مصر: حين تذوب المسافات في حضن المحبة”
بقلم الدكتور ناصر الجندي
في مساءٍ ربيعيٍ دافئ، وبين أضواء الشموع وأصوات التراتيل التي تملأ الكنائس، يحتفل المسيحيون في مصر بعيد القيامة المجيد، عيد الحياة والنور، عيد الرجاء الذي لا ينكسر. وبينما يحتفلون، تمتد الأيادي وتُفتح القلوب من كل أطياف المجتمع، لتقول لهم: “كل سنة وأنتم طيبين”.
لكن هذه التهنئة، في مصر، ليست مجرّد كلمات تقال كواجب اجتماعي. إنها فعل حب. إنها لحظة إنسانية عميقة تكشف عن وجه هذا البلد الحقيقي… وجه المحبة التي لا تعرف حدودًا، ولا تُقيدها العقائد، ولا توقفها الأسلاك الشائكة للجهل والتعصب.
ما هو عيد القيامة؟
عيد القيامة هو جوهرة الأعياد المسيحية وأقدسها، يُحيي ذكرى قيامة السيد المسيح عليه السلام بعد صلبه، بحسب المعتقد المسيحي. وهو عيد ليس فيه مجرد احتفال بانتصار الحياة على الموت، بل هو إعلان رمزي وأبدي بأن الأمل لا يموت، وأن بعد كل ظلمة هناك نور، وبعد كل ألم، قيامة.
فيه يحمل المسيحيون الشموع المضاءة، كأنهم يحملون رسالة النور إلى العالم، ومن كنائسهم يرفعون دعاءً للسلام، لأن العيد في حقيقته ليس فقط مناسبة دينية، بل دعوة للحياة، وللبدء من جديد.
في مصر… العيد للجميع
ما يميز مصر عن غيرها من الأوطان، هو أنها بلد لا يحتفل فقط بأعياد ديانته الرسمية، بل تحتفل كلها بأعياد بعضها البعض. المصري المسلم لا يتردد لحظة في أن يشتري حلوى عيد الميلاد لجاره المسيحي، أو يرسل له تهنئة بعيد القيامة، والمسيحي يشارك صديقه المسلم فرحة رمضان والعيد، ويقدم له التمر في الإفطار الأول.
في مصر، الأعياد تتجاوز الطقوس، وتتحول إلى احتفالات شعبية بالحب. العيد هنا ليس حكرًا على أصحاب العقيدة، بل مناسبة وطنية تمتد من البيوت إلى الشوارع، ومن القلوب إلى منصات التواصل.

التهنئة… أكثر من مجرد مجاملة
في بعض المجتمعات، تبدو التهاني وكأنها كلمات تُقال كي لا يُحرج الإنسان. لكن في مصر، التهاني تحمل مضمونًا مختلفًا. حين يقول لك مصري مسلم: “كل سنة وأنت طيب يا صاحبي”، فهو لا يجامل، بل يشاركك فرحتك، كأنك أخ له، وكأن عيدك جزء من حياته.
إنها ليست فقط كلمات، بل تعبير عن احترام، عن تواصل إنساني، عن إيمان بأن العيش المشترك لا يعني فقط “تجنب الخلاف”، بل الاحتفال بما يفرح الآخر. هذا هو جوهر التعايش الحقيقي: أن تفرح لفرح أخيك، وأن تقف إلى جانبه في لحظات سعادته قبل حزنه.
في وجه الريح… تصمد المحبة
في عالم تزداد فيه نبرة الانقسام، وتُبث فيه أفكار متطرفة من هنا وهناك، يصبح موقف بسيط مثل “التهنئة بعيد القيامة” عملاً عظيمًا. يصبح فعلًا مقاومًا لثقافة الكراهية، وصوتًا يقول للعالم: “نحن أقوى من الفتنة، وأعمق من الاختلاف، وأصدق من كل خطاب مزيف”.
في عيد القيامة، يُثبت الشعب المصري أن الحب لا يحتاج إلى مبرر ديني، وأن الاحترام لا يتطلب تطابق العقائد. بل يكفي أن نكون بشرًا، لنعرف كيف نُشارك الفرح، ونُبارك الحياة.
الكنائس مفتوحة… والقلوب كذلك
خلال قداس عيد القيامة، نرى مشاهد مدهشة في مصر: مسؤولون مسلمين يزورون الكنائس، وفنانين ومثقفين يهنئون على الهواء، وأطفالًا مسلمين يحملون الورود ويعطونها لأصدقائهم المسيحيين. بل أحيانًا تجد مسلمًا يدخل الكنيسة ليشعل شمعة، لا كطقس ديني، بل كرسالة حب.
التهنئة هنا لا تحتاج إلى فتوى، ولا إلى إذن. لأن الضمير الإنساني السليم يعرف بفطرته أن المحبة لا تُحرم، وأن مشاركة الفرح لا تُدان.
رسالة العيد: لنقم جميعًا
في عيد القيامة، يدعو المسيحيون إلى “القيامة”، أي إلى النهوض من الحزن، من الانقسام، من الظلمة. وما أحوجنا اليوم إلى هذه “القيامة” المعنوية، في مجتمع يحتاج إلى أن يتجاوز جراحه، ويجدد روحه، ويسترد إنسانيته.
ولعل أجمل ما في عيد القيامة أنه يُذكرنا، جميعًا، بأننا بشر قبل أن نكون أي شيء آخر. وأن رسائل الأنبياء، في جوهرها، كانت دعوة للحب، للتسامح، للرحمة. فهل هناك أجمل من أن نترجم هذه الرسائل بتهنئة صادقة، وابتسامة دافئة، ويد تمتد إلى الآخر؟
العيد الذي نحتاجه جميعًا
ليست كل الأعياد دينية فقط، بعضها إنساني بطبعه. وعيد القيامة في مصر هو أحد هذه الأعياد. هو عيد المحبة، والمصالحة، والبدايات الجديدة.
فلنُهنئ بعضنا بلا خوف، ولنُشعل شموع الأمل في قلوبنا، ولنجعل من هذا العيد مناسبة لقيامة الروح المصرية الحقيقية، تلك التي لا تعرف الكراهية، ولا تنحني للفرقة، بل تنهض دومًا، وتضيء الطريق للجميع.
كل عام ومسيحيي مصر بخير، ومصر كلها بخير، ومن قيامة إلى قيامة… نحو وطن أجمل وأقوى وأكثر حبًا.