الدكتور ناصر الجندي يكتب “ماكرون في القاهرة: زيارة استراتيجية تعكس تحوّلًا في المعادلات الإقليمية والدولية”

بقلم الدكتور ناصر الجندي

في زيارة حملت أبعادًا استراتيجية ورسائل متعددة الاتجاهات، وصل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى القاهرة في 7 أبريل 2025، في وقت بالغ الحساسية على المستويين الإقليمي والدولي، حيث تتصاعد المواجهات في غزة، بينما تتفاوض مصر للحصول على دعم مالي جديد، وسط تحولات في خرائط النفوذ الدولية.

أولًا: التوقيت… بين التصعيد في غزة والتقارب مع الجنوب

الزيارة لم تكن عابرة أو مجرد بروتوكول، بل جاءت – بحسب صحيفة Le Monde الفرنسية – ضمن مساعٍ فرنسية لإعادة التوازن في الشرق الأوسط:
 “ماكرون يسعى إلى التقرب من الدول العربية للعب دور فاعل في مواجهة دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو” – Le Monde (8 أبريل 2025).
وتضيف الصحيفة:
 “باريس تريد استعادة زمام المبادرة في المنطقة من خلال دعم القاهرة، الحليف الاستراتيجي في ملفات الطاقة والأمن والهجرة.”

ثانيًا: شراكات اقتصادية… ولكن بشروط!
شهدت الزيارة توقيع اتفاقيات بين الوكالة الفرنسية للتنمية (AFD) والحكومة المصرية بقيمة 260 مليون يورو، تشمل قطاعات المياه، النقل، الصحة والطاقة.
ووفقًا لوكالة Reuters:
 “فرنسا تدعم الاقتصاد المصري في سياق مناخ إقليمي متوتر، ولكنها تربط هذا الدعم بإصلاحات هيكلية واضحة في مجال الحوكمة والشفافية.”
ماكرون شدد خلال المؤتمر الصحفي المشترك مع الرئيس عبد الفتاح السيسي على أهمية الإصلاح الاقتصادي، قائلاً:
 “نحن نثق في رؤية مصر المستقبلية، لكننا ننتظر نتائج ملموسة تصب في مصلحة الشعب المصري.”

5589

ثالثًا: غزة… دبلوماسية على الأرض
تصدر الملف الفلسطيني جدول أعمال الزيارة، حيث سعى ماكرون إلى لعب دور فاعل في جهود التهدئة. ووفق بيان رسمي من الإليزيه:
 “الرئيس ماكرون أجرى مشاورات هاتفية مع قادة الولايات المتحدة ومصر والأردن، لتنسيق الجهود نحو وقف فوري لإطلاق النار وفتح الممرات الإنسانية.”
وقالت Le Monde:
 “باريس لا تريد ترك الساحة الدبلوماسية للولايات المتحدة وحدها، وتسعى لإثبات قدرتها على التأثير من خلال تحالفاتها التقليدية في المنطقة.”
ماكرون زار أيضًا أحد مستودعات المساعدات الإنسانية المخصصة لغزة، ومستشفى ميداني يعالج جرحى فلسطينيين، في رسالة رمزية قوية.

رابعًا: حقوق الإنسان… حوار غير معلن
رغم أن قضية حقوق الإنسان لم تكن ضمن المحاور العلنية، أكدت Le Monde أن ماكرون “أثار الملف بشكل غير مباشر”، وسط ضغوط من منظمات فرنسية.
وقال مصدر في الخارجية الفرنسية للصحيفة:
 “نحن نؤمن بأن الاستقرار الحقيقي لا ينفصل عن احترام الحريات، وهذا ما نقوله لشركائنا بصراحة.”
من جانبه، أكد الرئيس السيسي أن مصر “لا ترفض الحوار، لكنها تفرق بين الحرية وبين الفوضى”، في إشارة إلى الخصوصية المصرية في معالجة هذه الملفات.

خامسًا: إعادة التموضع في الشرق الأوسط
تحاول فرنسا عبر هذه الزيارة تعزيز موقعها كشريك بديل أو مكمل للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، خاصة في ضوء تراجع الحضور الأمريكي في بعض الملفات، وتنامي نفوذ روسيا والصين.
ووفق تحليل نشرته Reuters:
 “فرنسا ترى في علاقتها مع مصر حجر الزاوية لاستراتيجيتها في أفريقيا والمتوسط، وتعتبر القاهرة بوابة لعبور المصالح الفرنسية إلى المنطقة.”

زيارة ماكرون لمصر ليست مجرد محطة دبلوماسية، بل خطوة مدروسة في سياق إعادة رسم معادلات القوة والنفوذ في منطقة تتغير ملامحها بسرعة.
وفي وقت تتطلع فيه مصر إلى دعم اقتصادي واستقرار سياسي، ترى في فرنسا شريكًا موثوقًا يساعدها على تنويع خياراتها الدولية. وفي المقابل، تدرك باريس أن القاهرة تظل لاعبًا لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات إقليمية قادمة.

زر الذهاب إلى الأعلى