الدكتور ناصر الجندى يكتب عن العشق النبوي (١٠) العشق النبوي عند الأنصار: “لو سلك الناس واديًا…”
بقلم الدكتور ناصر الجندي
هناك أنواع كثيرة من الحب في هذه الحياة، لكن هناك نوعًا لا يشبه غيره، نوعًا يسمو فوق كل المصالح، نوعًا يجعل الإنسان يضع قلبه وروحه وكل ما يملك فداءً لمن يحب. هذا هو الحب الذي حمله الأنصار للنبي ﷺ، حبٌّ لم يكن مجرد عاطفة، بل كان ولاءً خالصًا، ووفاءً أبديًا، وتضحيةً بلا حدود.
في الحديث المتفق عليه، قال رسول الله ﷺ:
“لو سلك الناس واديًا أو شعبًا، لسلكت وادي الأنصار وشعبهم، ولولا الهجرة لكنت امرأً من الأنصار.”
هذه الكلمات ليست مجرد مدح، إنها شهادة حبٍّ خالدة، شهادة تكشف مكانة الأنصار في قلب النبي ﷺ. لكن، ما الذي ميّز هذا الحب؟ كيف أثبت الأنصار أنهم كانوا أعظم العشّاق لرسول الله ﷺ؟ ولماذا استحقوا أن يختار النبي ﷺ طريقهم فوق كل طريق؟
حين اختاروا النبي ﷺ فوق الدنيا كلها
قبل أن يلتقي النبي ﷺ بالأنصار، لم يكونوا يعرفونه شخصيًا، لم يجلسوا معه يومًا، لم يسمعوا صوته، ومع ذلك، حين جاءهم خبره، شعروا بشيء يتحرك في قلوبهم.
كانت يثرب (المدينة لاحقًا) تعيش انقسامات بين الأوس والخزرج، حروبًا أنهكتهم، ومشكلات لا تنتهي، ثم جاءتهم الأخبار عن رجل في مكة، يدعو إلى دين جديد، إلى السلام، إلى العدل، إلى الله.
فخرج ستة رجال من الخزرج، إلى مكة، في موسم الحج، والتقوا بالنبي ﷺ. لم يكن معهم مال، ولا جيش، ولا خطط سياسية، فقط قلوب تبحث عن النور. جلسوا مع النبي ﷺ، استمعوا إليه، ولم يحتج الأمر إلى تفكير طويل. “هذا هو الرجل الذي نحتاجه!”
عادوا إلى يثرب، وبدؤوا ينشرون الخبر، “وجدنا النبي الذي كانت اليهود تخبرنا عنه، وجدنا من سينقذنا!”
في العام التالي، جاء وفد أكبر، اثنا عشر رجلًا، ثم في العام الذي بعده جاء أكثر من سبعين، وهناك، في ظلام الليل، تحت جبل العقبة، أعطوا النبي ﷺ أعظم بيعة في التاريخ.
بيعة العشق: “نحميك كما نحمي أبناءنا!”
وقفوا أمام النبي ﷺ، وهو يقول لهم:
“تبايعونني على السمع والطاعة، في العسر واليسر، في المنشط والمكره، وأن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم؟”
تخيّل هذا المشهد! قوم لم يروه إلا منذ أيام، ولم يعش معهم، ولم يكن لديهم أي مكاسب دنيوية من حمايته، ومع ذلك، قالوا جميعًا:
“نعم، والله لنمنعنَّك كما نمنع أبناءنا وأهلنا!”
لم يكونوا يعلمون أن هذه البيعة ستجعلهم يعيشون الحروب، والتضحية، والدموع، لكنهم كانوا مستعدين، لأنهم أحبوه، لأنهم رأوا فيه أكثر من مجرد نبي، رأوا فيه قائدًا للحياة، ورمزًا للنور، وأملًا جديدًا لعالمهم الممزّق.
ومن تلك اللحظة، أصبح الأنصار أهل النبي ﷺ، وقلبه، وسنده.
المدينة تتحول إلى “مدينة الحب النبوي”
حين هاجر النبي ﷺ، لم تكن مجرد رحلة، كانت بداية عصر جديد. دخل المدينة، وكان أهلها يخرجون كل يوم إلى أطرافها، ينتظرونه، يسألون: “أين هو؟ هل وصل؟ هل تأخر؟”
وحين ظهر أخيرًا، لم يكن استقبالًا عاديًا، كان استقبال عشّاق، كان كل واحد يريد أن يكون بيته هو بيت النبي ﷺ.
“يا رسول الله، تعال عندي!”
“بل تعال إليّ، عندي المال، عندي الطعام، عندي الأهل!”
لكن النبي ﷺ قال لهم بلطف: “خلّوا سبيل الناقة، فإنها مأمورة.”
حتى وقفت الناقة عند بيت أبي أيوب الأنصاري، وهكذا، تحوّل بيته إلى أول منزل للعشق النبوي في المدينة.

مواقف تثبت أنهم كانوا أعظم العشّاق
1. يوم بدر: حين قال سعد بن معاذ كلمات تهز القلوب
قبل معركة بدر، كان النبي ﷺ قلقًا، فهو يعرف أن المهاجرين فقط هم من بايعوه على القتال، لكنه لم يكن متأكدًا من موقف الأنصار، فقال:
“أشيروا عليّ أيها الناس.”
عندها، وقف سعد بن معاذ، زعيم الأوس، وقال بحماس يهزّ الجبال:
“يا رسول الله، لقد آمنا بك، وصدقناك، وأعطيناك عهودنا، فامضِ لما أردت، فوالذي بعثك بالحق، لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك!”
هكذا كان حبهم، حب يجعلهم مستعدين للموت في أي لحظة، بلا تردد.
2. يوم أحد: حين أصبحوا دروعًا بشرية للنبي ﷺ
عندما اشتد القتال، وبدأ المشركون يهاجمون النبي ﷺ، هرع إليه الأنصار، كانوا يرمون بأنفسهم أمام السهام، واحدًا تلو الآخر، حتى امتلأت الأرض بجثثهم، وهم يحمونه بأجسادهم، وكأنهم يقولون: “يا رسول الله، نموت نحن، وتحيا أنت!”
3. يوم فتح مكة: عندما خافوا أن يتركهم النبي ﷺ
بعد فتح مكة، بدأ بعض الأنصار يشعرون بالخوف، فقد رأوا كيف بدأ النبي ﷺ يحيط به أهل مكة، فهل سيعود إليهم ويترك المدينة؟
فجمعهم النبي ﷺ، ونظر إليهم بحب، وقال:
“المحيا محياكم، والممات مماتكم!”
كانت هذه الكلمات مثل البلسم، وكأن النبي ﷺ يقول لهم: “أنتم أهلي، أنتم حبي، لن أترككم أبداً.”
لماذا كان حب الأنصار للنبي ﷺ فريدًا؟
1. لأنهم لم يحبوه فقط بالكلام، بل بالأفعال.
2. لأنهم قدّموه فوق أنفسهم وعائلاتهم.
3. لأنهم كانوا مستعدين للموت لأجله.
4. لأنهم عاشوا وهم لا يرون حياة بدون النبي ﷺ.
هل نحب النبي ﷺ كما أحبّه الأنصار؟
اليوم، يمكن لأي شخص أن يسأل نفسه:
* هل أقدّم سنة النبي ﷺ على رغباتي؟
* هل أتبع طريقه في حياتي؟
* هل أشتاق إليه كما اشتاق إليه الأنصار؟
* هل أبكي شوقًا لرؤيته؟
“لو سلك الناس واديًا…”
عندما قال النبي ﷺ هذه الكلمات، كان يخبرنا أن طريق الأنصار هو طريق الحب الصادق، طريق الإخلاص، طريق العشق النبوي.
الناس اليوم يسلكون طرقًا مختلفة، بعضهم يسلك طريق المال، وبعضهم يسلك طريق الشهرة، وبعضهم يسلك طريق الدنيا…
لكن، إذا كنت تحب النبي ﷺ، فاسلك طريق الأنصار.
ذلك الطريق الذي اختاره النبي ﷺ بنفسه، وقال عنه:
“لو سلك الناس واديًا، لسلكت وادي الأنصار.”