ملائكة الأرض

بقلم: د. منير لطفي

يوشك الأطباء أن يكونوا أولياء، وذلك من حيث جبال الحسنات التي تمر أمامهم كغيمات السماء وتتدافع بين أيديهم كأمواج البحر، ولو اغتنموها حق الغنم لحجزوا لهم مقعدا رفيعا تحت سقف خيمة الولاية، التي هي مرتبة في الدين عظمى يحرزها من حقق شرطي الإيمان والتقوى وينال من ورائها أمنين عظيمين، أمن من الخوف وأمن من الحزن..”ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون”..يونس ٦٢, ٦٣
كم من متأوه خفف الأطباء آلامه، وكم من حائر طمأنوه وأناروا له الطريق، وكم من عقيم كانوا سببا في إنجابه، وكم من كسير جبروا خاطره، وكم من مقعد كانوا له السند حتى علت همته واسترد قوته، وكم من عليل ذبلت روحه فبعثوا فيه الحياة مجددا..وكم، وكم..
فعلوا ذلك، أحيانا ضمن الواجب الطبي الذي يعاقب تاركه، أو بدافع الشهرة والمجد الأدبي والمكانة الاجتماعية، أو طلبا للمال الذي لا يشبع منه إنسان، وأحيانا بدافع الرحمة المدفونة في ضمائرهم والمطرزة في ثوب فطرتهم.
أذكر في مقتبل حياتي الطبية كان همي الأول اكتساب معرفة جديدة وإتقان تقنية حديثة، وكان يوم سوء هذا الذي أعود فيه من المستشفى دون الشعور بأني قد أحرزت خطوة جديدة ولو صغيرة في مجالي التشخيص والعلاج، ويحدوني في ذلك ما قاله التاج السبكي رحمه الله في أدب الطبيب: “وأكثر ما يُؤْتَى الطبيب: من عدم فهمه حقيقةَ المرض، واستعجالِه في ذكر ما يصفه، وعدم فهمه مزاج المريض، وجلوسه لطب الناس قبل استكماله الأهلية”.
ثم صار الهاجس المادي ضروريا وملحا لتلبية احتياجات الحياة التي تفاقمت يوما بعد يوم، ولا ضير.. أما الآن وبعد مرور الزمن واكتساب المزيد من خبرة الحياة ودروس الإيمان؛ فلم يعد هذا هو الهم الأول ولا ذاك هو الهاجس الماثل، بل صار: رسم بسمة على وجه عجوز أنهكته الشيخوخة، وطمأنة آخر ارتجت أعصابه على وقع إصابته بمرض مزمن، وتفريج كربة ثالث ابتلي بداء عضال هدم روحه وقوض بنيانه.
يحدث أن حالة المريض تستدعي الحجز بضع ساعات لإعطاء المحاليل الطبية مثلا، فأزوره على سريره بين الفينة والأخرى بنية كسب أجر زيارة مريض. وما من مريض يهم بالانصراف من أمامي بعد الكشف إلا ودعوت له بالشفاء والعافية، ولا أفاجأ عندها بلمعة عينيه وحمرة الشفاء تلوح على وجنتيه، وكأن الدعاء بصدق هو ما يحتاجه أكثر من أي دواء آخر.
لو أن النية تجوز بأثر رجعي، لاستلهمت الكثير من النوايا الطيبة وشحنت بها ردائي الأبيض الذي ارتديته قبل نحو أربعين عاما، فالنية الصافية المخلصة تفتح أبوابا جمة للحسنات، وربما تعوض عن الخطأ والنقص الذي قد يصيب أي طبيب في مسيرته، وكما قال سيدي ابن عطاء الله السكندري رحمه الله: “من لا قصد له، فكل عمله في الضياع”.
ولو كان لي من نصيحة أسديها لمن يخطون خطواتهم الأولى في مضمار الطب، لكانت -بعد استحضار النية الخالصة لوجه الله- أن: صافحوا مرضاكم بحرارة، ابتسموا في وجوههم، أفسحوا لهم مجال البوح، كونوا لهم أصدقاء وأقرباء، وقفوا لهم ما استطعتم عند الاستقبال والوداع..وحبذا مزيد من الحدب والانحياز لأربع فئات مطحونة: العمال البسطاء، والغرباء، وخادمات البيوت، وكبار السن.

زر الذهاب إلى الأعلى