الدكتور ناصر الجندى يكتب عن العشق النبوي (2) : أحبُّ الخلق إلى القلوب : لماذا نعشق النبي ﷺ؟

بقلم الخبير التربوى الدكتور ناصر الجندى

   ما السرّ في هذا الحب الذي يسكن القلوب؟ لماذا يتغلغل اسم محمد ﷺ في أعماق النفوس، فتخفق القلوب بمجرد ذكره، وتفيض العيون شوقًا لرؤيته؟ هل هو مجرد إعجاب بشخصيته العظيمة؟ أم أن هناك شيئًا أعمق، شيئًا يتجاوز الزمان والمكان؟
إذا تأملت في حب النبي ﷺ، ستجد أنه ليس حبًّا عابرًا، بل هو عشق متجذّر، عشقٌ يملأ القلب دفئًا، ويمنح الروح سكينة. في هذا المقال، سنبحر في أسباب هذا العشق، وسنكتشف لماذا لا تستطيع القلوب إلا أن تحبه.
1. رجل أخلاقه من نور: كيف لا تحب من كان جميل القلب قبل أن يكون جميل الوجه؟
في زمنٍ كانت القسوة سيدة الموقف، وكان الظلم أمرًا عاديًا، جاء محمد ﷺ كالنور في الظلام، وكالماء العذب في صحراء قاحلة. لم يكن كغيره من الناس، بل كان إنسانًا متفرّدًا بأخلاقه قبل أن يكون نبيًّا.
كان الناس يلقبونه بـ “الصادق الأمين” حتى قبل أن يُبعث بالرسالة، فكانوا يأتمنونه على أموالهم وأسرارهم. لم يكن يرد محتاجًا، ولم يرفع صوته يومًا غضبًا لنفسه. كان وجهه يشعّ سماحةً، وعيناه تملؤهما الرحمة، حتى أن من رآه لأول مرة شعر أنه أمام إنسان مختلف، إنسان خُلِق ليُحب.
يُروى أن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ وهو يرتجف من هيبته، فأدرك النبي ذلك بلطافته المعتادة، فوضع يده عليه وقال له بحنان: “هوّن عليك، فإنما أنا ابن امرأة كانت تأكل القديد” (اللحم المجفف).
أي تواضع هذا؟ أي رجل عظيم يجعل من نفسه واحدًا من الناس حتى يطمئن قلبهم؟ كيف لا يعشقه من كان يجالسه؟ وكيف لا يهفو إليه قلب من يسمع أخباره؟
2. الرحمة التي لا حدود لها: من يحبك حتى وهو يواجه أذاك؟
هل رأيت يومًا إنسانًا يواجه العنف باللطف؟ هل سمعت عن رجل يُضرب، ويُهان، ثم يدعو لمن آذاه بالهداية بدل أن ينتقم؟

7770في غزوة أحد، بعد أن أُصيب النبي ﷺ بجراح بليغة، كُسرت أسنانه، وسال دمه الطاهر، رأى أصحابه حاله وتألموا له، وتمنوا أن يدعو على المشركين بالهلاك، لكنه رفع يديه إلى السماء وقال: “اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون”.
يا الله! أي قلب هذا الذي يسامح في أشد اللحظات ألمًا؟ أي نفس عظيمة يمكن أن تعفو في لحظة انتقام؟ هنا فقط ندرك أن النبي ﷺ لم يكن مجرد قائد، بل كان قلبًا يمشي على الأرض، كان حبًا يتحرك بين الناس، وكان رحمة لا مثيل لها.
هذا الرجل لم يكن يحب فقط من يحبونه، بل كان يحب حتى أعداءه! فمن ذا الذي لا يذوب عشقًا في رجلٍ كهذا؟
3. التواضع الأعظم: السيد الذي يجلس بين عبيده!
كل العظماء عبر التاريخ كانوا يحبون التميّز، يحبون أن يجلسوا على العروش، أن تُحمل أسماؤهم بألقاب الفخامة، لكن محمدًا ﷺ كان أعظم من ذلك كله.
كان يجلس بين أصحابه كواحدٍ منهم، يأكل مما يأكلون، ويمشي بينهم في الأسواق، بل كان يساعد أهل بيته في أعمال المنزل! كان يخصف نعله، ويخيط ثوبه، وكان إذا جلس بين أصحابه لا يمكن لأحد أن يميّزه عنهم من شدة بساطته.
حتى عندما دخل مكة فاتحًا، بعد أن حاربوه وأخرجوه منها، لم يرفع رأسه فخرًا، بل دخلها خافض الرأس، متواضعًا لله. لم يدخلها بالسيوف والانتقام، بل دخلها بالمغفرة والسلام.
كيف لا تحب رجلًا جعل من التواضع تاجًا له؟ كيف لا تعشقه وهو القائد الذي لم يطلب يومًا عرشًا، ولم يُشعر أحدًا أنه أعلى منه؟
4. حبٌّ يمتد إلى من لم يره: النبي الذي اشتاق إليك قبل أن تُخلق!
نحن نحب النبي ﷺ لأننا نسمع عنه ونقرأ سيرته، لكن هل فكرت يومًا أنه هو أيضًا يحبك؟
نعم! النبي ﷺ كان يحب أناسًا لم يراهم، كان يشتاق إلى أناس لم يولدوا بعد، كان يشتاق إليك!
ذات يوم، جلس مع أصحابه وقال لهم: “وددتُ لو رأيتُ إخواني”. فسألوه بدهشة: أولسنا إخوانك؟ فقال: “أنتم أصحابي، وإخواني الذين لم يأتوا بعد”.
يا الله! النبي اشتاق إلينا قبل أن نولد! فكيف لا تشتاق إليه قلوبنا؟ كيف لا نهيم عشقًا في رجلٍ انتظرنا قبل أن نوجد؟
5. لأنه الدليل إلى الله: كيف نحب الله دون أن نحبه؟
الحب الأعظم في هذا الوجود هو حب الله، ومن أراد أن يصل إلى الله، فلا طريق أقرب من طريق محمد ﷺ.
هو الذي عرّفنا بالله، وعلّمنا كيف نحبه، وكيف نسير في طريقه. كل ما نعرفه عن الخير، عن الصدق، عن العدل، عن الرحمة، كل ذلك عرفناه من محمد ﷺ.
إذا كنت تحب الله، فلا بد أن تحب من كان دليلك إليه. إذا كنت تبحث عن النور في هذا العالم، فلا بد أن تجد نفسك تمشي خلف نور محمد ﷺ.

حبٌ لا ينتهي
ليس في العالم كله رجلٌ تحبه القلوب كما تحب محمدًا ﷺ. ليس هناك شخص يتكرر ذكره في اليوم الواحد كما يُذكر النبي، في الأذان، في الصلاة، في القلوب التي لا تملّ من الصلاة عليه.
هو الحب الذي لا يفنى، الحب الذي يعبر القرون، ويظل متقدًا في القلوب، يشتعل في أعماق الروح، ويكبر كلما سمعنا حديثًا عنه، أو قرأنا موقفًا من حياته.
اللهم ارزقنا حب نبيك ﷺ، حبًّا يجعلنا نقتدي به، ونسير على خطاه، حتى نلقاه في الجنة ونقول له: “يا رسول الله، لم نرك في الدنيا، لكننا عشقناك بقلوبنا، حتى صرنا نراك في كل شيء حولنا”.

زر الذهاب إلى الأعلى