يا معتمرى مصر ادعوا لأوطانكم
بقلم : دكتور أحمد احمد عبده
كل عام، وفي مثل هذه الأيام الطاهرات، يشحذ المصريون والمسلمون في شتى البقاع والأمصار هممهم، ويتوجهون إلى بيت الله الحرام معتمرين لأداء مناسك العمرة في رمضان، استنادًا إلى حديث النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين، عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأم سنان الأنصارية حين لم يُكتب لها الحج معه: “فعمرة في رمضان تقضي حجة، أو حجة معي.” وجاء في رواية أخرى: “عمرة في رمضان تعدل حجة.” وقد ورد في كتاب أحكام القرآن لابن العربي أنه قال: “رمضان فضل من الله ونعمة، ودليل ذلك أن العمرة فيه أدركت منزلة الحج.” أيها المعتمر، تذكَّر وأنت تؤدي المناسك من إحرامٍ وطوافٍ وسعي أن تدعو لوطنك مصر، فهذه مواطن إجابة الدعاء. تذكَّر كم أنك تعيش فيها أنت وأهلك في أمنٍ وأمان، فلا عجب في ذلك، فقد ذكرها رب العزة في غير موضع في قرآنٍ يُتلى إلى يوم القيامة. كن غيورًا على بلادك، وتمنَّ لها الخير والتقدم، وارفع رأسك إلى السماء مستقبِلًا قبلة المسلمين وقل: اللهم اجعل مصر في ضمانك، وأهلها في حماك، وجيشها في معيتك، وانصرهم وانصر بهم. تذكَّر أن هذه البلاد طيبة التربة، مؤنسة لذوي الغربة، أرض الصالحين الطيبين التي حماها الله من فوق سبع سماوات رغم كيد الكائدين… أرض الأنبياء، ومهد العلم الحقيقي، الديني والدنيوي. أيها المعتمرون، ادعوا لمصر ولبلاد المسلمين بالأمن والأمان… يا من ذهبتم في شهر شعبان، وقبله وبعده، ويا من ستدركون رمضان بأمر الله في بيت الله الحرام وفي مدينة رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم، اجتهدوا في الدعاء، فلا يرد القدر إلا الدعاء. الدعاء الصادق الذي سيستجيبه الله تصديقًا لوعده في كتابه العزيز: “وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ” (غافر: 60). عندما قرأت بعض التفاسير لهذه الآية، لم أجد فيها إلا ما كنت أعلم، لكن وقع نظري على تفسير الطبري، إذ يقول: “يا أيها الناس، ادعوني، واعبدوني، وأخلصوا لي العبادة دون من تعبدون من دوني من الأوثان والأصنام وغير ذلك، أجب دعاءكم، فأعفو عنكم، وأرحمكم.” أيها المعتمر، ستعود إلى وطنك وأحبابك بعد أداء هذه المناسك آمنًا في سربك، محملًا بنفحات الرحمن، وغيرك لا وطن له، فاحمد الله على هذه النعمة العظيمة. تذكَّر حب النبي صلى الله عليه وسلم لوطنه، وأنت تقف أمام قبره الشريف، تفيض عيناك بالدموع، وتتمنى لو كنت رفيقه في أيامه لترى الأنوار. تذكَّر كلماته وهو يودِّع مكة، موطنه الأول، حيث قال: “ما أطيبك من بلد، وما أحبك إلي، ولولا أن قومي أخرجوني منك، ما سكنت غيرك.” كلمة “بلد” هنا دليل على حب الوطن. فاخلصوا الدعاء لمصرنا الحبيبة خاصة، وللمسلمين عامة، واسألوا الله أن يرد كيد المتربصين بنا في نحورهم، وأن يوفق القائمين على أمرنا لما فيه صلاح البلاد والعباد. واعلموا أن الدعاء هو العبادة، فقد صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “الدعاء هو العبادة”، ثم قرأ: “وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ” (غافر: 60). ولا تستمعوا إلى الكارهين لأنفسهم، وإلى الذين يكرهون الخير لبلادنا، فهم شرذمة قليلة. ادعوا الله بقلوب صادقة أن يحفظ بلادنا، وأن يجعلها سخاءً رخاءً، وأن ينصرنا وينصر إخواننا المستضعفين في كل زمان ومكان، وأن يسترنا ويسترهم بستره الجميل. ولا تنسوا الدعاء لنا في هذه البقاع الطاهرة، ولا تنسوا السلام على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن يبلغنا الله رمضان بسلام، وأن يشفي مرضى المسلمين، ويرحم موتاهم، وأن تعودوا إلى أوطانكم وأهلكم بأمن الله وأمانه. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.