الإمبريالية الفيكتورية
دكتور أشرف إبراهيم زيدان
رئيس قسم اللغة الإنجليزية- جامعة بور سعيد
في عهد الملكة فيكتوريا، لم تكن بريطانيا العظمى مجرد دولة جزيرة قوية، بل شكلت مركزاً لإمبراطورية عالمية واسعة النطاق، عززت تواصلها مع مجموعة متنوعة من الثقافات الأخرى، وإن كان هذا التبادل في كثير من الأحيان غير متكافئ. وبحلول نهاية القرن التاسع عشر، كانت الإمبراطورية البريطانية تشمل ما يقرب من ربع مساحة اليابسة على الأرض، حيث كانت تحكم، ولو اسمياً، أكثر من 400 مليون شخص من مقرها في بريطانيا العظمى. تضمنت المستعمرات وشبه المستعمرات البريطانية بحلول عام 1901 دولاً مثل أستراليا، وغويانا البريطانية (غويانا حالياً)، وبروناي، وكندا، وقبرص، ومصر، وغامبيا، وساحل الذهب (غانا الآن)، وهونغ كونغ، والهند البريطانية (التي تضم حالياً بنغلاديش والهند وميانمار وباكستان وسريلانكا)، وأيرلندا، وكينيا، وملاوي، ودول الملايو (ماليزيا حالياً)، ومالطا، وموريشيوس، ونيوزيلندا، ونيجيريا، وسيراليون، وسنغافورة، وأرض الصومال (الصومال حالياً)، وجنوب أفريقيا، والسودان، وروديسيا (زيمبابوي الآن)، وترينيداد وتوباغو.
كانت إمبراطورية الملكة فيكتوريا الواسعة والمتنوعة كياناً غير متجانس، تميز بتطبيق ممارسات حكم مختلفة عبر أراضيها. شملت هذه الإمبراطورية مستعمرات التاج مثل جامايكا، التي خضعت لسيطرة مباشرة من بريطانيا، ومحميات مثل أوغندا التي احتفظت بجزء من سيادتها. كما كانت أيرلندا تُعد نوعاً من المستعمرات الداخلية، حيث كانت مطالبها بالحكم الذاتي تُواجه بمزيج من الترحيب والإهمال على مدار الزمن. أصبحت الهند، التي بدأت القرن تحت سيطرة شركة الهند الشرقية، تحت الحكم المباشر لبريطانيا بعد انتفاضة عام 1857 (المعروفة أيضاً بأول حرب استقلال هندية)، مما أدى إلى إعلان الملكة فيكتوريا إمبراطورة للهند في عام 1877. أما المستعمرات التي تضم أعداداً كبيرة من السكان الأوروبيين، مثل كندا وأستراليا، فقد نالت قدراً كبيراً من الحكم الذاتي بحلول نهاية القرن التاسع عشر، وأصبحت تُعد بشكل متزايد شركاء شبه متساوين في المشروع الإمبراطوري. في المقابل، ظلت المستعمرات والمحميات ذات الأغلبية السكانية من السكان الأصليين، مثل سيراليون، أو تلك التي تضم عدداً كبيراً من العبيد السابقين والعمال غير الأوروبيين، مثل ترينيداد، محرومة من الحكم الذاتي حتى القرن العشرين.

كما أشار جوزيف تشامبرلين في كتابه “المفهوم الحقيقي للإمبراطورية”، أدت الخسارة الكارثية للمستعمرات الأمريكية إلى شعور عميق بخيبة الأمل تجاه فكرة بناء الإمبراطوريات. ومع ذلك، ورغم التراجع النسبي للاهتمام بالمشروع الإمبراطوري البريطاني في أوائل القرن التاسع عشر، واصلت الإمبراطورية توسعها. فقد استحوذت على أراضٍ جديدة ووسعت مستعمراتها بشكل كبير، لا سيما في كندا وأستراليا، بينما كانت تحقق تقدماً ملحوظاً في السيطرة على شبه القارة الهندية. شهدت الفترة ما بين عامي 1870 و1900 وتيرة توسع أسرع بكثير، حيث تبنت بريطانيا موقفاً ونهجاً جديدين في بناء الإمبراطوريات، عُرفا باسم الإمبريالية الجديدة، وهو توجه استمر حتى اندلاع الحرب العالمية الأولى.
خلال هذه الفترة، انخرطت بريطانيا في منافسة شديدة على الأراضي الجديدة مع القوى الأوروبية الأخرى، خاصة في أفريقيا. زادت استثماراتها في فكرة الإمبراطورية، سواء من الناحية الإبداعية أو الأيديولوجية، وأصبحت تعتمد بشكل متزايد على الاقتصاد العالمي. كما التزمت بإيجاد شركاء تجاريين جدد، وأحياناً إجبارهم على الدخول في علاقات اقتصادية، بما في ذلك ما يمكن تسميته بـ”المستعمرات الافتراضية”؛ وهي دول لم تكن رسمياً جزءاً من الإمبراطورية لكنها خضعت اقتصادياً لهيمنة بريطانيا العظمى. كانت هذه الدوافع محركاً رئيساً للإمبريالية الجديدة. ومع ذلك، لم يكن التوسع البريطاني خالياً من التحديات. فقد خاضت الإمبراطورية حروباً ضد الأشانتي والزولو والبوير، على سبيل المثال. كما واجهت انتقادات من شخصيات مثل جيه. جيه. توماس وجون أتكينسون هوبسون، الذين وصفوا الإمبريالية بأنها مؤسسة فاسدة ومهينة. ومع ذلك، استمر توسعها بوتيرة مذهلة رغم هذه العقبات.
التمييز بين الإمبريالية والاستعمار ليس بالأمر البسيط، حيث يمكن أن يبدو النشاطان متشابكين في كثير من الأحيان. بشكل عام، تشير الإمبريالية إلى الاستيلاء على أراضٍ خارج حدود الدولة الوطنية لأسباب متعددة، مثل توسيع الممتلكات، وتعزيز النفوذ، وتأمين طرق التجارة، والحصول على موارد طبيعية مثل السكر، والتوابل، والشاي، والقصدير، والمطاط، بالإضافة إلى توفير أسواق جديدة للمنتجات. أما الاستعمار، فيركز على استيطان تلك الأراضي وإعادة تشكيل البنية الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية للسكان الأصليين، وهو ما كان يُطلق عليه الفيكتوريون “الإصلاح”. يقدم كتاب “تقرير حول تعليم الهنود” لتوماس بابينغتون ماكولي مثالاً واضحاً على هذا النهج التدخلي في الاستعمار.
لم تقم الإمبراطورية البريطانية بتأسيس مستعمرات في جميع أراضيها، ولم يكن سكان المستعمرات دائماً مهتمين بإنجليزيّة الشعوب الأصلية التي تشاركهم الأراضي، كما يظهر في التقييم السلبي لأنتوني ترولوب تجاه السكان الأصليين لأستراليا. ومع ذلك، كانت بريطانيا العظمى قادرة عموماً على تبرير توسعها في أراضي الآخرين من خلال التذرع بمهمة حضارية ترتكز على تفوقها الأخلاقي والعرقي والوطني. في أواخر العصر الفيكتوري، حاول العلم دعم هذا التبرير. على سبيل المثال، ادعى علماء مثل إدوارد تايلور وبنجامين كيد أن غير الأوروبيين كانوا أقل تطوراً بيولوجياً وثقافياً، مما جعلهم غير مؤهلين لحكم أنفسهم أو إدارة أراضيهم بشكل مناسب. كما وصف كتّاب آخرون مثل دبليو. وينوود ريد وريتشارد مارش سكان المستعمرات “غير المتحضرين” بأنهم أقرب إلى آكلي لحوم البشر أو وحوش مخيفة، بالكاد ينتمون إلى الإنسانية. في هذا السياق، أُعدت مهمة “ترويض” هؤلاء السكان عبئاً حضارياً يُطلق عليه “عبء الرجل الأبيض”، وهو مصطلح اشتهر من خلال كتابات روديارد كيبلينج.