قصة قصيرة بقلم الدكتور ناصر الجندي بعنوان “في ميزان العدالة : سقوط كمال الدين”
بقلم الدكتور ناصر الجندي
كمال الدين، وكيل المدرسة، رجل عاش حياته وكأن الدنيا ملك يمينه. لم يكن مجرد مسؤول فاسد، بل كان عنوانًا للجشع والطغيان. كل زاوية في مدرسته تحمل بصمات فساده، وكل من عرفه تجرع مرارة ظلمه.
كان كمال الدين يظهر للناس بوجهين. أمام الإدارة التعليمية، كان يظهر كموظف ملتزم، يقدم تقارير مزيفة عن إنجازاته الوهمية. لكن داخل أسوار المدرسة، كان ديكتاتورًا يمارس كل أنواع الفساد.
بيع الدرجات: لم يكن النجاح في المدرسة يعتمد على الجهد أو التفوق. فمن يدفع المال، يحصل على الدرجات، أما الفقراء، فكانوا يدفعون الثمن.
سرقة الأموال: كان يختلس الأموال المخصصة للأنشطة الطلابية، بينما يعاني الطلاب من نقص الأدوات الدراسية.
ظلم المعلمين: مارس كمال الدين سلطته على زملائه، يهددهم بالفصل إذا لم ينفذوا أوامره. لم يتردد في التخلص من معلمين شرفاء حاولوا كشف فساده.
رغم كل هذا، كان كمال الدين واثقًا أن القانون لن يطاله، يردد دائمًا:
“أنا فوق الحساب. من يجرؤ على مواجهتي؟”
لم يكن كمال الدين يعلم أن نهايته أقرب مما يتخيل. ذات ليلة، وبينما كان يجلس في مكتبه يحتفل بانتصار جديد على أحد معلميه، شعر بألم مفاجئ في صدره. حاول أن يطلب المساعدة، لكنه سقط على الأرض فاقدًا وعيه.
عندما استيقظ، وجد نفسه في مكان مظلم ومهيب. لم يكن هناك مكتب أو سلطة، فقط ساحة واسعة ممتدة، مليئة بأصوات الصراخ والبكاء. أدرك على الفور أنه يوم القيامة، يوم الحساب.
وقف كمال الدين في طابور طويل. حوله وجوه شاحبة وأخرى مشتعلة بالنار. كل روح تنتظر دورها أمام ميزان العدالة الإلهية.

عندما جاء دوره، تقدم ببطء. كان الميزان أمامه ضخمًا، والملائكة تحمل سجله. بدأ قلبه يخفق بشدة.
قالت الملائكة بصوت زلزل المكان:
“كمال الدين، لقد عشت حياتك في ظلم وفساد. استغليت منصبك وسرقت حقوق الضعفاء. ماذا أعددت لهذا اليوم؟”
حاول كمال أن يتحدث، لكن الكلمات خانته.
بدأت تُعرض أمامه مشاهد من حياته:
رأى نفسه وهو يجبر معلمًا شابًا على تقديم دروس خصوصية مجانية.
رأى الطالبة الفقيرة التي فقدت فرصتها في التعليم بسبب بيعه للدرجات.
سمع دعوات الأمهات المظلومات اللاتي فقدن حقوق أبنائهن بسببه.
كان كل مشهد بمثابة طعنة. حاول أن يغلق عينيه، لكن الصور كانت تلاحقه بلا هوادة.
عندما انتهت المشاهد، جاء صوت من السماء:
“يا كمال الدين، لقد استوفيت نصيبك من الدنيا ظلمًا. أما الآن، فذق العذاب بما كنت تفعل.”
انفتحت أمامه أبواب الجحيم. رأى النار تشتعل، وسمع صرخات المعذبين. حاول أن يصرخ:
“أمهلوني! سأعيد الحقوق! سأصلح كل شيء!”
لكن الصوت الإلهي جاء قاطعًا:
“وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ” (الأنعام: 28).
اقتادته الملائكة نحو الجحيم. كل خطوة كانت أثقل من الأخرى، وكل صوت كان يزلزل روحه. رأى أمامه مشاهد لا توصف:
طلاب يحملون شهاداتهم المزيفة يحرقونها أمامه.
معلمون مظلومون ينادونه:
“هذا ما جنيته بيديك.”
كانت نهاية كمال الدين مظلمة، عذاب لا ينتهي، وندم لا يجدي نفعًا. صار عبرة لكل من يظن أن سلطته يمكن أن تحميه من الحساب.
العدل الإلهي لا يترك أحدًا دون حساب، وكل ظالم سينال جزاءه، ولو بعد حين.