متى نتزوّج؟
* بقلم: د. منير لطفي
تزوّج والدي رحمه الله في سنّ الثامنة عشرة، وكانت والدتي حفظها الله دون ذلك بسنوات، والسؤال: هل في مقدور أحد من الشباب والشابات أن يتزوّج اليوم في تلك السنّ؟ بكل تأكيد، لا.. ليس بسبب تكاليف الزواج التعسُّفية الحالية مقارنة بزمن اليُسْر الجميل، ولا لانشغال الشباب والشابات بالتعليم حتى سنّ التخرّج في الجامعة بعد العشرين مقارنة بمدرسة الأُمّيّة التي تخرّج فيها آباؤنا وأجدادنا مع الولادة، ولا لأني ضدّ الزواج المبكّر وإعفاف أبنائنا وبناتنا بحال من الأحوال معاذ الله..
ولكن، بسبب خبرة الحياة التي تنقصهم ولا غنى عنها لتحمّل هكذا مسئولية جسيمة.. فالشاب وحتى بضع وعشرين لا يعرف سوى اللعب والمذاكرة والأصحاب، ويعتمد في إدارة نفسه على أبويْه! فكيف له أن يدير غيره في مؤسّسة حيوية هي نواة الأمم والمجتمعات! إننا إن فعلْنا، نكون كمَن أَجلَس جاهلا بالسياقة أمام عجلة القيادة وقال له: انطلق.. وكم من كارثة ستحدث حتما!
هذا على عكس آبائنا وأجدادنا الذين اعتركوا مع الحياة منذ الطفولة، فصلب عودُهم واشتدّ ساعدُهم وخبروا دروب العيش وصاروا مؤهَّلين لمواجهة الصعاب وتحمُّل المسؤوليات وتقديم التضحيات.
زِد على ذلك، أنّ الحياة في الماضي كانت بسيطة وسهلة ويمكن التعامل معها باقتدار إذا ما تمكّن المرء من حيازة خبرة حياتية معقولة، أمّا اليوم ومع تعقُّدها كذنَب الضبّ ومتاهة المرايا، صارت المسؤولية أكبر والتحديات أضخم، وبالتالي بِتْنا في حاجة ماسّة إلى خبرة أكبر وأعمق، وهذه الخبرة -للأسف- لا تمنحها الدراسة في المعاهد والجامعات مهما طال المكث فيها، ولكن يمنحها سوق العمل والتواصل اليومي المباشر والخشن مع الشارع والناس.
وعلى المستوى النفسي والعاطفي، كانت مطالب الشريك من شريكه في الزواج قديما متواضعة للغاية وخالية من التصوّرات المثالية، وثمّة مخزون عظيم من الصبر في جعبتهما يجعل المركب تستمر في سيرها وسط أعتى الأمواج. أمّا اليوم، ومع يوتوبيا وسائل التواصل الاجتماعي، وما آلت إليه من تضخُّم الأنا والجنوح إلى الاستقلالية والهشاشة النفسية؛ فقد زادت المطالب المعنوية، وارتفع سقف التوقّعات الرومانسية، وصار قرار الطلاق قريبا قرْب الباب من الشبّاك.. وطُف بالمحاكم وسترى المآسي رأي العين! واقرأ عن نسب الطلاق وستُصدَم من هولها!
قبل أيام، قرأْت عن دراسة ميدانية أُجريت في إحدى الدول العربية بين مَن تأخّر بهم قطار الزواج، وتَبيّن أن هذا التأخير يعود لاثنَي عشر سببا، على رأسها عدم الرغبة في تحمُّل المسئولية! وتلك هي لبّ المشكلة، المسئولية.
ما الحلّ إذن؟ هل في تأخير سنّ الزواج إلى الثلاثين أو في أحسن الظروف إلى الثامنة والعشرين حتى يحتكّ الشباب بسوق العمل ويتشرّبوا قدرا معقولا من الكفاءة الحياتية؟ قطعا لا؛ فالمغريات كثيرة، والفتن تحيط بالشباب والشابات من أربع جهات، وتأخُّر سنّ الزواج يؤثّر سلبا على الخصوبة وصحة النسل.
ولكن الحل يكمن في الدفع بالشباب إلى أتون العمل مع سنّ الرابعة عشرة وربما قبلها، ليس في فترات الإجازة الدراسية فقط، ولكن جنبا إلى جنب مع الدراسة، مع تضمين المرحلة الجامعية برامج جادّة ترفع حالة الوعي بالزواج والأسرة لدى الجنسين، وعندها سيتخرّج الشاب مسلَّحا بالرجولة والثقة المحقِّقة لشرط الاستطاعة التي اشترطها الشرع الحنيف، والضامنة إلى حدٍّ كبير لزواجٍ متين يصمد أمام عواصف العيش المشترك وأنوائه.
*طبيب وكاتب