قصة قصيرة بقلم الدكتور ناصر الجندي بعنوان “موهبة مشوهة”
بقلم الدكتور ناصر الجندي
في أحد أيام الصيف الحارة، كان ملعب الحي الصغير مزدحمًا بالأطفال الذين يلعبون كرة القدم بحماس. بينهم، تألق منصور، الفتى صاحب الاثني عشر عامًا، بمهاراته اللافتة. لم يكن هناك من يجاريه في المراوغة أو التسديد. كان يركض كالنجم اللامع بين زملائه، يسجل الأهداف الواحد تلو الآخر.
لم يعلم منصور أن ذلك اليوم سيغير حياته، ففي زاوية الملعب وقف رجل يرتدي بدلة رياضية أنيقة، يراقب كل حركة يقوم بها منصور بعين الخبير. كان هذا الرجل يُدعى كابتن سعيد، مكتشف المواهب المعروف في المدينة، والذي يعمل لصالح أحد أكبر الأندية الرياضية.
بعد المباراة، اقترب كابتن سعيد من منصور وربت على كتفه قائلاً: “أنت موهوب يا بني. مكانك ليس هنا، بل في الملاعب الكبيرة. هل ترغب في الانضمام إلى أكاديمية النادي؟”
كانت تلك الكلمات بمثابة حلم يتحقق لمنصور. ارتسمت على وجهه ابتسامة عريضة، لكنه في داخله شعر بشيء آخر: غرور يغلي كالنار. “أنا الأفضل، الجميع يعلم ذلك الآن،” قال لنفسه وهو ينظر إلى أصدقائه بنظرة استعلاء.
بدأ منصور تدريباته في النادي الكبير. سرعان ما أثبت نفسه كلاعب لا يُستهان به. كان المدربون يشيدون بمهاراته، وزملاؤه الجدد يثنون على أدائه. لكن خلف هذه الصورة المثالية، ظل الفساد النفسي الذي يعاني منه منصور ينمو.
كان منصور لا يثق بأحد، يعتقد أن كل من حوله يحاول استغلاله أو التقليل من شأنه. إذا قدم أحدهم نصيحة له، كان يعتبرها محاولة للسيطرة عليه. إذا أخطأ أحد زملائه في التمرير، كان يثور غاضبًا ويتهمه بالتآمر عليه.
في إحدى المباريات المهمة للأكاديمية، أضاع منصور فرصة تسجيل هدف كان يمكن أن يقود الفريق للفوز. على عكس المتوقع، لم يُظهر أي ندم، بل ألقى باللوم على زميله في الفريق، سامر، الذي كان قد مرّر له الكرة بشكل لم يعجبه. بعد المباراة، اقترب المدرب منه وقال: “يا منصور، كرة القدم لعبة جماعية. إذا لم تتعلم التعاون، فلن تصل بعيدًا.”
لكن منصور لم يتقبل النقد. عاد إلى المنزل وهو يشعر بالغضب، وأخذ يتحدث إلى نفسه: “هم يحاولون التقليل مني. أنا أفضل منهم جميعًا، وهم يغارون من موهبتي.”
استمر منصور في النادي، لكنه كان يزداد انعزالًا عن زملائه. في أحد الأيام، لاحظ كابتن سعيد تغيّر سلوك منصور. قرر التحدث إليه بصراحة: “يا بني، الموهبة وحدها لا تكفي. النجاح يحتاج إلى روح متواضعة وتعاون مع الآخرين. إذا استمريت بهذه العقلية، ستفقد كل ما حققته.”

لكن منصور لم يسمع سوى صدى غروره. في أعماقه، كان يرى في كل نصيحة تهديدًا، وفي كل مدح استغلالًا.
بعد أشهر، بدأ مستواه في التراجع. لم يعد أحد يتحدث عنه كنجم الفريق، بل أصبح يُعرف بمشكلاته وسلوكه الأناني. كان المدربون يفضلون لاعبين أقل مهارة لكنهم أكثر تعاونًا.
وذات يوم، أعلن النادي قائمة اللاعبين الذين سيتم تصعيدهم للفريق الأول. لم يكن اسم منصور بينهم. جلس وحيدًا في غرفة الملابس، ينظر إلى حذائه الرياضي الجديد، وقال لنفسه: “لقد ظلموني… لا أحد يقدر موهبتي.”