قصة قصيرة بقلم الدكتور ناصر الجندي بعنوان “ظل الصلاة”
بقلم الدكتور ناصر الجندي
في المدرسة الجديدة، ظهر منصور مرة أخرى بوجهه المعتاد: وكيل المدرسة المتدين الذي لا تفوته صلاة، دائم التواجد في المكتبة حيث سجادة صلاته ومصحفه، يظهر الخشوع كأنه رداء يغطي على نواياه. كان الجميع يتحدثون عنه بإعجاب، خاصة أولئك الذين لم يعرفوا حقيقته بعد.
“الأستاذ منصور مثال للرجل الصالح، دائم العبادة ولا يتدخل إلا لمصلحة العمل”، هكذا وصفه البعض، لكن خلف هذا الستار كان منصور يمارس لعبته المعتادة.
كانت المدرسة مليئة بالشابات الطموحات اللاتي يطمحن لإثبات أنفسهن، وكان منصور يعرف كيف يستغل طموحهن أو نقاط ضعفهن. اقترب أولًا من الأستاذة سمر، معلمة اللغة الإنجليزية، التي كانت تحاول الحصول على فرصة تدريب خارجي يحتاج إلى توصية إدارية.
في أحد الأيام، وبينما كانت تعمل على أوراقها في المكتبة، اقترب منصور بابتسامة هادئة وقال:
“أستاذة سمر، سمعت أنك تعملين بجد من أجل فرصة التدريب. أعجبتني طريقتك في التعليم وأعتقد أنك تستحقين الدعم.”
شكرته سمر بخجل، لكنه لم يتوقف عند هذا الحد. بدأ يتردد على المكتبة أكثر، ويجلس بالقرب منها بحجة مراجعة أوراق العمل. ثم بدأ يتحدث بلغة أكثر ودية، قائلاً ذات مرة:
“تعرفين، يا سمر، في هذه الحياة، العلاقات الجيدة هي التي تُبنى على الثقة والود، وأنا أرى أنك تستحقين فرصة كبيرة.”
بدأت سمر تشعر بالانزعاج من طريقة حديثه. وعندما لاحظ ذلك، حاول التودد بشكل أكبر، فدعاها إلى مكتبه لمناقشة فرصتها في التدريب. هناك، بدأ بتلميحات لم تعجبها، فقالت له مباشرة:
“أستاذ منصور، أفضّل أن تظل علاقتنا مهنية بحتة، وأشكرك على دعمك.”
كان ردها صفعة على غروره، فتحولت لهجته من الود إلى البرود. بدأ يضع العراقيل في طريقها، يرفض توقيع الأوراق اللازمة، ويشكك في أدائها أمام الإدارة.
في المقابل، كانت هناك الأستاذة نيفين، التي فضلت الاستجابة لتلميحاته خوفًا من التهميش. استغل منصور ذلك ومنحها امتيازات واضحة: جدول مريح، وتوصيات إدارية، مما أثار استياء زميلاتها.
“لماذا نيفين تحديدًا تحصل على كل هذا الدعم؟” تساءلت سمر وزميلاتها، لكنهن كن يخشين التصعيد.
مع مرور الوقت، بدأت الأحاديث تنتشر عن سلوك منصور، خاصة عندما لاحظت إحدى المعلمات وجوده الدائم في المكتبة مع بعض الزميلات دون سبب واضح. وبدأت الشكوك تتحول إلى يقين عندما اكتشفت سمر أن ما حدث لها قد حدث لزميلات أخريات.
قررت مجموعة من المعلمات، بقيادة سمر، مواجهة الأمر بشجاعة. جمعن الأدلة والشهادات ورفعن تقريرًا مفصلًا إلى مديرة المدرسة. كانت المديرة شخصية صارمة ولا تقبل التجاوزات.
في اجتماع طارئ، تمت مواجهة منصور بما حدث. حاول الدفاع عن نفسه كعادته قائلاً:
“هذه افتراءات. أنا رجل متدين، ولا يمكن أن أتصرف بهذه الطريقة.”
لكن الأدلة والشهادات كانت واضحة. لم تنجح محاولاته للتملص، وأُجبر على الاستقالة بعد فتح تحقيق رسمي من الإدارة التعليمية.
خرج منصور من المدرسة، لكنه ظل يحمل قناعه الزائف. وبينما كان يغادر، تمتم لنفسه:
“أنا مظلوم… أنا رجل صالح… والنبي أنا صح…”
أما المدرسة، فقد عادت إلى هدوئها بعد رحيله، واستعادت المعلمات ثقتهن في بيئة العمل. أما سمر، فقد أصبحت رمزًا للشجاعة، وعلمت زميلاتها أن الصمت على الظلم لا يصنع إلا مزيدًا من الظالمين.