
رسالة يحيي إلي هارون الرشيد
بقلم / محمـــد الدكـــروري
اليوم : الاثنين الموافق 2 ديسمبر 2024
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا وأصلي وأسلم وأبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ومن إهتدى بهديه إلى يوم الدين أما بعد، ذكرت المصادر التاريخية الكثير عن حادثة البرامكة في العصر العباسي، وقيل أنه حمل يحيي البرمكي أعباء الخلافة عن هارون الرشيد في أول عهده فكان يرجع إلي البرامكه في كل أمر، ويحملون التبعات في كل شأن واتسع سلطانهم، وعلا شأنهم، وقصدهم جميع الشعراء بالمدائح، وكانوا من حُسن السياسة ما حببهم إلى الرعية، وكل من هذه الأسرة إتخذ له صنائع بما غمرهم من أموال، والبرامكة هؤلاء ينتسبون إلى برمك، وبرمك هذا كان كاهن بيت النار في مدينة بلخ المسمى النوبهار، وهو معبد للديانة الزرادشتية، وكانت هذه الديانة مملوءة بالطقوس المعقدة وبالسحر وبالأسرار.
فلما إنتقلوا إلى الإسلام لم تخلو صدورهم من آثار هذه العقيدة، ولمرانتهم على النظم الفارسية الدقيقة، خدموا المدنية الإسلامية خدمة كبرى بما نقلوه إليهم ولهم من كتب الفرس القديمة وعاداتهم وتقاليدهم، كالتي نقلها الجاحظ في كتاب التاج، ووضعوا أيديهم على مال الدولة كله حتى كان من شأنهم إذا أرادوا أن يتصرفوا في شيء منه، وجدوه تحت أيديهم، وإذا أراد الرشيد وقصره أن يتصرف رجع في ذلك إليهم، وكان أول من ظهر منهم في الإسلام خالد البرمكي، وعلا شأنهم في عهد الرشيد على يد يحيى بن خالد، ثم كان أن دخل في القصر عدوهم اللدود الفضل بن الربيع، وقد جهدت الخيزران في إبعاده عن القصر، وهو رجل نشأ على الدس، وإعمال الحيلة، وورث الدس عن أبيه الربيع فقد كان الربيع سببا في أن يقتل المنصور أبا أيوب المورياني.
وقد جاء القصر فوجد البرامكة قد وضعوا أيديهم على كل شيء في الدولة، فكيف الخلاص منهم والرشيد نفسه خاضع لإرادتهم؟ ولكن لا بأس فليعمل الفضل الحيلة في إغضاب الرشيد عليهم، وكان الفضل شديد الكبر، شديد الغيرة من البرامكة، لا يبلغ مبلغهم في علم ولا نبل ولا فضل، فحسدهم، وتمنى زوال نعمتهم، فكان يوما يدس إلى الرشيد أن البرامكة يعملون للوصول للخلافة، ويوما يدس إليه أن البرامكة ملاحدة وثنيون، يحنون إلى دين أبيهم القديم بدليل أن قصورهم فيها مخابئ تحت الأرض، تحوي الشعائر القديمة الزرادشتية، فهم يتعبدون فيها خفية عن الناس، ويوما يحذره من البرامكة بأنهم يؤيدون العلويين سرا، ويودون نقل الخلافة إليهم، ويوما يوعز إلى مغن أن يغني الرشيد بهذين البيتين ليت هندا أنجزتنا ما تعد وشفت أنفسنا مما تجد.
وإستبدت مرة واحدة إنما العاجز من لا يستبد، ويوما يوعز إلى من يرسل إليه قصيدة من غير توقيع يقول فيها، هذا ابن يحيى قد غدا مالكا مثلك ما بينكما حد، أمرك مردود إلي أمره وأمره ليس له رد، وهكذا وهكذا من أساليبه الخفية الشريرة، تعاونه على ذلك السيدة زبيدة زوجة الرشيد بأحاديثها في الليل مع زوجها، والطعن على البرامكة وقد كانت تكرههم، وتود زوال سلطتهم حبّا في الرشيد ورجوع السلطة إليه وإليها، وتذكر يحيى مرة صلته القديمة بالرشيد فكتب إليه ” بسم الله الرحمن الرحيم إلى أمير المؤمنين ونسل المهديين وإمام المسلمين وخليفة رسول رب العالمين، من عبد أسلمته ذنوبه، وأوقعته عيوبه، وخذله شقيقه، ورفضه صديقه وخانه الزمان، وأناخ عليه الخذلان، ونزل به الحدثان، فصار إلى الضيق بعد السعة.
وعالج الموت بعد الدعة وشرب كأس الموت مترعة وإفترش السخط بعد الرضا وإكتحل بالسهر بعد الكرى، يا أمير المؤمنين قد أصابتني مصيبتان، الحال والمال، أما المال فمنك ولك، وكان في يدي عارية منك، ولا بأس برد العواري إلى أهلها، وأما المصيبة بجعفر فبجرمه وجرأته، وعاقبته بما إستخف من أمرك، وأما أنا فاذكر خدمتي، وارحم ضعفي، ووهن قوّتي، وهب لي رضاك فمن مثلي الزلل، ومن مثلك الإقالة، ولست أعتبر ولكني أقر، وقد رجوت أن أفوز برضاك، وتقبل عذري، وصدق نيتي، وظاهر طاعتي، ففي ذلك ما يكتفي به أمير المؤمنين، ويرى الحقيقة فيه، ويبلغ المراد منه، فوقَّع الرشيد على هذا الخطاب بالآية الآتية بسم الله الرحمن الرحيم ” وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون ” فيئس يحيى، وظل في السجن حتى مات.