
غزة.. المجاعة وانهيار الضمير الإنساني
قلم عبد الله معروف
متابعة عادل شلبي
المشاهد الخارجة من غزة اليوم تفوق الوصف. أطفال بعيون غائرة وأجساد نحيلة ينهارون في ممرات مستشفيات خاوية من الدواء. أمهات يضغطن صغارهن الجائعين على صدور جفّت، فلا يجدون قطرة حليب. عائلات تصطف لساعات أمام أفران أغلقت منذ زمن، تتمسك بخيط أمل واهٍ في رغيف خبز لن يأتي. هذه ليست مجرد مأساة عابرة، بل أول مجاعة مُعترف بها رسميًا في الشرق الأوسط، تجري على مرأى ومسمع العالم بأسره، دون أن يتحرك ساكن.
منظمة الصحة العالمية أكدت ما يعيشه الفلسطينيون يوميًا: الجوع يتفشى بسرعة غير مسبوقة، يحصد الأرواح بوتيرة أسرع مما تصل المساعدات الشحيحة عبر الحصار. عشرات يُقتلون يوميًا بالقصف، لكن المئات يموتون بصمت، بلا ضجيج ولا أسماء، تحت سلاح أبشع: سلاح التجويع.
وفي الوقت ذاته، يستعد العالم لحدث رمزي آخر: الزيارة المرتقبة للبابا ليو الرابع عشر إلى الشرق الأوسط. والسؤال الذي لا يحتمل المواربة: هل ستكون زيارته صرخة إنسانية من أجل غزة، أم مجرد جولة بروتوكولية وسياسية لا تشبع جائعًا ولا تداوي مريضًا؟ إذا لم تكن الإنسانية هي البوصلة الأولى لهذه الزيارة، فما الذي يبقى من الرسالة التي تزعمها كل الأديان السماوية؟
هذه الأزمة تكشف عجز المؤسسات الدولية وتعرّي شعاراتها. العفو الدولية، محكمة العدل الدولية، مجلس حقوق الإنسان… أسماء رنانة بلا فعل. بيانات تُنشر، مؤتمرات تُعقد، بينما الأطفال يموتون جوعًا في صمت. مجلس الأمن الدولي، الغارق في التجاذبات السياسية، لم ينجح في ترجمة الاستنكار إلى قرار نافذ واحد يوقف القتل أو يفتح ممرًا آمنًا للغذاء. قرارات على الورق، وأجساد تتهاوى في الميدان.
وفي المعادلة السياسية، تتجلى الحقيقة المؤلمة: إسرائيل تُحكم الحصار وتجعل من الجوع سلاحًا، بينما حماس تفاوض من خارج غزة ببطون ممتلئة، بعيدة عن آلام من يُتركون للموت داخلها. معًا يشكلان وجهان لعملة واحدة، والضحية الوحيدة هو المدني الفلسطيني، الذي يُسحق بلا ذنب سوى أنه وُلد فلسطينيًا.
هذه ليست مجرد حرب، إنها انهيار كامل للمنظومة الأخلاقية. اليهودية والمسيحية والإسلام كلها دعت إلى صون النفس وإطعام الجائع وحماية الضعيف. “من أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا” (القرآن 5:32). “أحب قريبك كنفسك” (سفر اللاويين 19:18). “كنت جائعًا فأطعمتموني” (إنجيل متى 25:35). هذه ليست نصوصًا للتزيين، بل أوامر واضحة. فكيف تُرفع هذه النصوص في المعابد والكنائس والمساجد، بينما يُترَك شعب كامل ليموت جوعًا على مرأى الجميع؟
زيارة البابا القادمة قد تكون لحظة فارقة. إما أن يرفع صوته في وجه المجاعة والإبادة، أو أن يسجل التاريخ أنه مرّ بجوار غزة كما يمرّ عابر سبيل، بلا كلمة، بلا موقف. صوته قادر على أن يُحرّك شعوبًا ويضغط على حكومات ويُعيد للدين بعضًا من جوهره المفقود.
غزة اليوم ليست مجرد قضية فلسطينية. إنها امتحان لإنسانية العالم بأسره. إذا قُبل استخدام الجوع كسلاح، فلن يقف الأمر عند غزة. إذا استمر الصمت، فذلك إعلان رسمي بانهيار الضمير العالمي. هذه لحظة الحقيقة: إمّا أن تنهض الأديان، والحكومات، والشعوب معًا لتوفير أبسط مقومات الحياة – الخبز والدواء والماء – أو نعلن سقوطًا أخلاقيًا لن يرحمنا به التاريخ، سقوطًا لا يبرره دين ولا قانون ولا حضارة.
غزة جرح مفتوح في ضمير البشرية. تجاهله يعني أننا فقدنا إنسانيتنا جميعًا.