دكتور أشرف إبراهيم زيدان يكتب ويحلل الرائعة الأدبية “غرفة يعقوب للكاتبة فيرجينيا وولف”
دكتور أشرف إبراهيم زيدان
جامعة بور سعيد
كانت فرجينيا وولف، التي درّست في قسم البنات بكلية كينغ في لندن، رائدة في توظيف تيار الوعي كوسيلة سردية. وعلى الرغم من مكانتها الأدبية البارزة، فقد واجهت اتهامات بمعاداة السامية والنخبوية، وعانت من اضطراب ثنائي القطب، ما أدى بها في نهاية المطاف إلى إنهاء حياتها غرقًا في نهر أوس وهي في التاسعة والخمسين من عمرها.
نُشرت روايتها الثالثة، “غرفة يعقوب”، في 26 أكتوبر 1922. تدور أحداث الرواية في إنجلترا ما قبل الحرب، وتتناول حياة يعقوب فلاندرز من خلال ذكريات وانطباعات الآخرين عنه. وبدلًا من استخدام بنية سردية تقليدية أو تقديم خلفيات تفصيلية، تبني وولف الرواية حول غياب يعقوب والفراغ الذي يتركه خلفه، مما يُضفي على النص نبرة رثائية مميزة. فصورة يعقوب تتشكل عبر وجهات نظر متنوعة، تركز في الغالب على الأحاسيس والذكريات، لا على الوقائع المباشرة. يتتبع السرد مسيرة يعقوب منذ الطفولة، مرورًا بسنوات دراسته في جامعة كامبريدج، وحتى بلوغه الرشد، من خلال منظور النساء اللواتي أثرن في حياته، مثل كلارا ديورانت، امرأة من الطبقة المتوسطة العليا، وفلوريندا، طالبة فنون تجمعها به علاقة عاطفية. بينما تُذكر رحلاته إلى إيطاليا واليونان على نحو عابر، تُشكل إقامته في لندن جزءًا رئيسيًا من الرواية. وتُعد “غرفة يعقوب” تحوّلًا حاسمًا عن أسلوب وولف السابق الأكثر تقليدية، كما في “الرحلة للخارج” (1915) و”ليل ونهار” (1919)، وتُعد من أبرز النصوص الحداثية التي بدأت فيها وولف باختبار تقنيات سردية جديدة، كما ظهر أيضًا في مجموعتها القصصية “الاثنين أو الثلاثاء” (1919).
ليس من المستغرب أن تعكس “غرفة يعقوب” المثل العليا وأجواء الحياة في كامبريدج. فبعد وفاة شقيقها ثوبي، سعت وولف جاهدة إلى جمع تفاصيل تجربته الجامعية عبر التواصل مع زملائه، كما أشار ابن شقيقها وكاتب سيرتها الذاتية كوينتين بيل. ويُعد الفصل الثالث من الرواية، الذي يصور دخول الجامعة عام 1906، نموذجًا مبكرًا لأساليب وولف التجريبية، حيث يوصف بأسلوب انطباعي يحمل “فضولًا لذيذًا ومريرًا”، بحسب وصف بيل، بسبب نبرته الساخرة.

يُظهر يعقوب في هذا الفصل نظرة ناقدة لزوجات الأساتذة، في جامعة كانت تشتهر آنذاك بعدائها للنساء. يراهن “قبيحات كالخطيئة”، ويُشبّه وجودهن في الكنيسة بوجود الكلاب، مقترحًا حرمانهن من دخولها. كما ينتقد علاقاتهن الاجتماعية مع طلاب أزواجهن، واصفًا إياهن بـ “المتوحشات”. في الوقت ذاته، تُجسد وولف من خلال صورها الانطباعية الساخرة ملامح الحياة الجامعية في كامبريدج، مركّزة على تناقضات أعضاء هيئة التدريس وطلابهم. فهكستابل يبدو أشعثًا ثملاً، وسوبويذ ثرثارة غير واثقة، وكوان مغرورًا، ومع ذلك تراهم وولف مجسّدين للمعرفة الخالصة. تعترف – على مضض – أن أفكار هكستابل تفوق كل ما قد يتجمع في عربة قطار تحت الأرض. ومحاضرات سوبويث كانت تُسترجع بتقدير بالغ، خاصة عندما يُلقي النصوص اللاتينية، إذ بدت كأنها “خمر على شفتيه”، في تعبير بلغ من السحر أن فيرجيل نفسه لن يسمع ما يضاهيه.
تُبرز الرواية أيضًا تأثير كامبريدج الدائم، حتى في نفوس من ينتقدونها. فتصف وولف طالب منحة دراسية يُقاوم تأثير هكستابل في شبابه، لكنه لاحقًا يدّخر كل ما يملك لإرسال ابنه إلى نفس الجامعة. وهذا يوضح كيف أن جاذبية المؤسسة الأكاديمية وسمعتها تستمر في التأثير رغم التناقضات. يعكس هذا موقف وولف المعقد من كامبريدج، فهي تعارض ثقافة الهيمنة الذكورية، وهو ما يتضح بشدة في “غرفة خاصة بي”، لكنها في الوقت نفسه تُبدي إعجابًا عميقًا بإنجازاتها الفكرية.
“غرفة يعقوب” هي عمل يلهم ويحفّز التأمل. ومع اقتراب نهاية عشرينيات القرن الماضي، بدأت روايات أكسفورد تعكس حنينًا متزايدًا إلى الماضي، في ظل تحولات ما بعد الحرب التي طالت الجامعة. شملت هذه التغيرات: (1) التحاق طلاب أكبر سنًا خدموا في الجيش، (2) ازدياد عدد الحاصلين على منح دراسية، (3) توسع أعداد الطلاب بما جعل الإقامة داخل المساكن أمرًا غير ممكن للجميع، و(4) انهيار القيم التقليدية التي كانت تشكل أسس الحياة الأكاديمية.
روايتان صدرتا في عام 1921، هما “مدينة في المقدمة” لجيرالد هوبكنز و”باتشوورك” لبيفرلي نيكولز، تعبّران عن خيبة أمل بطليهما من أكسفورد الجديدة، التي باتت تختلف كثيرًا عن الصورة المثالية المقدمة في رواية “شارع سينستر”. فبدلاً من الانشغال بالتأملات والمناقشات الفلسفية، أصبح حضور المحاضرات والسعي العملي لنيل الشهادات هو الغاية الأساسية، خاصة للطلاب من خلفيات أقل امتيازًا ممن يرون في التعليم وسيلة لضمان فرص العمل.
المصدر: كتبي المعنون “الأكاديميون والرواية: روايات الحرم الجامعي”، ص 42-46، دار بيان للترجمة والنشر والتوزيع)