
مع كتاب الله ج2 بقلم الشيخ موسى الهلالى
سورة البقرة:
قوله تعالى: {هُدىً لِلْمُتَّقِينَ} صرح في هذه الآية بأن هذا القرآن {هُدىً لِلْمُتَّقِينَ}، ويفهم من مفهوم الآية -أعني مفهوم المخالفة المعروف بدليل الخطاب- أن غير المتقين ليس هذا القرآن هدى لهم، وصرح بهذا المفهوم في آيات أخر كقوله: {قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمىً} [41/44] وقوله: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَاراً} [17/82] وقوله: {وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَاناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ, وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ} [9/125،124] وقوله تعالى: {وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً } الاَيتين [5/68،64].
ومعلوم أن المراد بالهدى في هذه الآية الهدى الخاص الذي هو التفضل بالتوفيق إلى دين الحق، لا الهدى العام، الذي هو إيضاح الحق.
قوله تعالى: {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} عبر في هذه الآية الكريمة “بمن” التبعيضية الدالة على أنه ينفق لوجه الله بعض ماله لا كله. ولم يبين هنا القدر الذي ينبغي إنفاقه، والذي ينبغي إمساكه. ولكنه بين في مواضع أخر أن القدر الذي ينبغي إنفاقه: هو الزائد على الحاجة وسد الخلة التي لا بد منها، وذلك كقوله: {وَيَسْأَلونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ} [2/219]، والمراد بالعفو: الزائد على قدر الحاجة التي لا بد منها على أصح التفسيرات، وهو مذهب الجمهور.
ومنه قوله تعالى: {حَتَّى عَفَوْا} [7/95]، أي: كثروا وكثرت أموالهم وأولادهم.
وقال بعض العلماء: العفو نقيض الجهد، وهو أن ينفق ما لا يبلغ إنفاقه منه الجهد واستفراغ الوسع. ومنه قول الشاعر: [الطويل]
خذي العفو مني تستديمي مودتي ولا تنطقي في سورتي حين أغضب
وهذا القول راجح إلى ما ذكرنا، وبقية الأقوال ضعيفة.
وقوله تعالى: {وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ} [17/29]، فنهاه عن البخل بقوله: {وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ}. ونهاه عن الإسراف بقوله: {وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْط}، فيتعين الوسط بين الأمرين. كما بينه بقوله: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً} [25/67] فيجب على المنفق أن يفرق بين الجود والتبذير، وبين البخل والاقتصاد. فالجود: غير التبذير، والاقتصاد: غير البخل.فالمنع في محل الإعطاء مذموم. وقد نهى الله عنه نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله:{وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ}، والإعطاء في محل المنع مذموم أيضا وقد نهى الله عنه نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله: {وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ}. وقد قال الشاعر: [البسيط]
لا تمدحن ابن عباد وإن هطلت يداه كالمزن حتى تخجل الديما
فإنها فلتات من وساوسه يعطي ويمنع لا بخلا ولا كرما
وقد بين تعالى في مواضع أخر: أن الإنفاق المحمود لا يكون كذلك، إلا إذا كان مصرفه الذي صرف فيه مما يرضي الله. كقوله تعالى: {قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ} الآية [2/215]، وصرح بأن الإنفاق فيما لا يرضي الله حسرة على صاحبه في قوله: {فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً} الآية [8/36]، وقد قال الشاعر: [الكامل]
إن الصنيعة لا تعد صنيعة حتى يصاب بها طريق المصنع
فإن قيل: هذا الذي قررتم يقتضي أن الإنفاق المحمود هو إنفاق ما زاد على الحاجة الضرورية، مع أن الله تعالى أثنى على قوم بالإنفاق وهم في حاجة إلى ما أنفقوا، وذلك في قوله: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [59/9].
فالظاهر في الجواب ـ والله تعالى أعلم ـ هو ما ذكره بعض العلماء من أن لكل مقام مقالا، ففي بعض الأحوال يكون الإيثار ممنوعا. وذلك كما إذا كانت على المنفق نفقات واجبة. كنفقة الزوجات ونحوها فتبرع بالإنفاق في غير واجب وترك الفرض لقوله صلى الله عليه وسلم: “وابدأ بمن تعول”، وكأن يكون لا صبر عنده عن سؤال الناس فينفق ماله ويرجع إلى الناس يسألهم مالهم، فلا يجوز له ذلك، وإلايثار فيما إذا كان لم يضيع نفقة واجبة وكان واثقا من نفسه بالصبر والتعفف وعدم السؤال.
وأما على القول بأن قوله تعالى: {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} يعني به الزكاة. فالأمر واضح، والعلم عند الله تعالى.
قوله تعالى: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ} الآية, لا يخفى أن الواو في قوله: {وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ} محتملة في الحرفين أن تكون عاطفة على ما قبلها، وأن تكون استئنافية. ولم يبين ذلك هنا، ولكن بين في موضع آخر أن قوله {وَعَلَى سَمْعِهِمْ} معطوف على قوله {عَلَى قُلُوبِهِمْ}، وأن قوله {وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ} استئناف، والجار والمجرور خبر المبتدأ الذي هو {غِشَاوَةٌ} وسوغ الابتداء بالنكرة فيه اعتمادها على الجار والمجرور قبلها. ولذلك يجب تقديم هذا الخبر، لأنه هو الذي سوغ الابتداء بالمبتدأ كما عقده في “الخلاصة” بقوله: [الرجز]
ونحو عندي درهم ولي وطر ملتزم فيه تقدم الخبر
فتحصل أن الختم على القلوب والأسماع، وأن الغشاوة على الأبصار. وذلك في قوله تعالى: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَة} [45/23]، والختم: الاستيثاق من الشيء حتى لا يخرج منه داخل فيه ولا يدخل فيه خارج عنه، والغشاوة: الغطاء على العين يمنعها من الرؤية. ومنه قول الحارث بن خالد بن العاص: [الطويل]
هويتك إذ عيني عليها غشاوة فلما انجلت قطعت نفسي ألومها
وعلى قراءة من نصب غشاوة فهي منصوبة بفعل محذوف أي {وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً} [45/23]، كما في سورة “الجاثية”، وهو كقوله: [الرجز]
علفتها تبنا وماءا باردا حتى شتت همالة عيناها
وقول الآخر: [مرفل الكامل]
ورأيت زوجك في الوغى متقلدا سيفا ورمحا
وقول الآخر: [الوافر]
إذا ما الغانيات برزن يوما وزججن الحواجب والعيونا
كما هو معروف في النحو، وأجاز بعضهم كونه معطوفا على محل المجرور، فإن قيل: قد يكون الطبع على الأبصار أيضا. كما في قوله تعالى في سورة النحل: {أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِم} [ الآية 108].
فالجواب: أن الطبع على الأبصار المذكور في آية النحل: هو الغشاوة المذكورة في سورة البقرة والجاثية، والعلم عند الله تعالى.
قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ} لم يذكر هنا بيانا عن هؤلاء المنافقين، وصرح بذكر بعضهم بقوله: {وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ} [9/101].
قوله تعالى: {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ} لم يبين هنا شيئا من استهزائه بهم. وذكر بعضه في سورة الحديد في قوله: {قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً} [57/13].
قوله تعالى: {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ} الآية, ظاهر هذه الآية أن المنافقين متصفون بالصمم، والبكم، والعمى. ولكنه تعالى بين في موضع آخر أن معنى صممهم، وبكمهم، وعماهم، هو عدم انتفاعهم بأسماعهم، وقلوبهم، وأبصارهم وذلك في قوله جل وعلا: {وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصَاراً وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصَارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} [46/26].
وقوله تعالى: {أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ} الآية , الصيب: المطر، وقد ضرب الله في هذه الآية مثلا لما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من الهدى والعلم بالمطر؛ لأن بالعلم والهدى حياة الأرواح، كما أن بالمطر حياة الأجسام.
وأشار إلى وجه ضرب هذا المثل بقوله جل وعلا: {وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً} [7/58].
وقد أوضح صلى الله عليه وسلم هذا المثل المشار إليه في الآيتين في حديث أبي موسى المتفق عليه، حيث قال صلى الله عليه وسلم: “إن مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم، كمثل غيث أصاب أرضا. فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا منها، وسقوا وزرعوا، وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ. فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه الله بما بعثني به، فعلم وعلم ومثل من لم يرفع بذلك رأسا، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به”.
قوله تعالى: {فِيهِ ظُلُمَاتٌ} ضرب الله تعالى في هذه الآية المثل لما يعتري الكفار والمنافقين من الشبه والشكوك في القرآن، بظلمات المطر المضروب مثلا للقرآن، وبين بعض المواضع التي هي كالظلمة عليهم لأنها تزيدهم عمى في آيات أخر لقوله: {وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ} [2/143]؛ لأن نسخ القبلة يظن بسببه ضعاف اليقين أن النبي صلى الله عليه وسلم، ليس على يقين من أمره حيث يستقبل يوما جهة، ويوما آخر جهة أخرى، كما قال تعالى: {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا} [2/142].
وصرح تعالى بأن نسخ القبلة كبير على غير من هداه الله وقوى يقينه، بقوله: {وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ} وكقوله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ} [17/60]، لأن ما رآه ليلة الإسراء والمعراج من الغرائب والعجائب كان سببا لاعتقاد الكفار أنه صلى الله عليه وسلم كاذب؛ لزعمهم أن هذا الذي أخبر به لا يمكن وقوعه. فهو سبب لزيادة الضالين ضلالا. وكذلك الشجرة الملعونة في القرآن التي هي شجرة الزقوم. فهي سبب أيضا لزيادة ضلال الضالين منهم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما قرأ: {إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ} [37/64]، قالوا: ظهر كذبه؛ لأن الشجر لا ينبت في الأرض اليابسة فكيف ينبت في أصل النار؟
وكقوله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا} [74/31]؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لما قرأ قوله تعالى:{عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ} [74/30].
وللحديث بقية ان شاء الله تعالى
إتبعنا