
الدكتور ناصر الجندي يروى لنا “أسطورة مدينة الساعات الغارقة”
أسطورة مدينة الساعات الغارقة
حين اشترى الجهلاء الوقت، فاكتشفوا أن للزمن محكمة لا تنام
بقلم الدكتور ناصر الجندي
في زمنٍ أقدم من ذاكرة الملوك، حين كانت البحار تخفي مدنًا كاملة تحت أمواجها، ظهرت في أقصى الشرق مدينةٌ عجيبة تُدعى «أورام»، لا تسير شوارعها على الأرض، بل تطفو فوق بحيرةٍ فضية تتغير ألوانها مع حركة النجوم.
لم تكن أورام مدينةً عادية؛ فقد بُنيت حياتها على آلاف الساعات النحاسية الموزعة في أبراجها، وكانت لكل ساعة وظيفة محددة، ولكل ترسٍ دور لا يستطيع غيره أداءه. فإذا اختل ترسٌ صغير، تأخرت سفن التجارة، وتعطلت أبواب المخازن، واضطربت مواعيد الزراعة، وشعر أهل المدينة جميعًا بأن الزمن نفسه قد تعثر.
ولهذا أنشأ الحكماء مجلسًا يُسمى «حراس الإيقاع»، لا يدخل إليه إلا من أثبت علمه، ولا يتولى أحدٌ فيه مسؤوليةً إلا بعد امتحانٍ طويل تكشف فيه الآلات مقدار فهمه وقدرته على الإصلاح.
وظلت المدينة مزدهرة حتى وصلت إلى قصرها امرأةٌ غامضة، جاءت محمولةً على سفينةٍ سوداء لا تترك وراءها أثرًا في الماء.
لم تسأل عن أعطال الساعات، ولم تزر ورش الصناع، ولم تستمع إلى شكاوى الناس؛ بل كان أول سؤالٍ طرحته على كبير الحراس:
«كم مفتاحًا في خزائنكم؟ ومن يملك حق توزيعها؟»
وحين عرفت أن مفاتيح الأبراج لا تُمنح إلا للخبراء، ابتسمت ابتسامةً باردة وقالت:
«إذن فأنتم تحكمون بالماضي، أما أنا فسأحكم بالمستقبل!»
وفي اليوم التالي، أصدرت أمرًا بتغيير نظام الاختيار، وأعلنت أن الثقة الشخصية أهم من سنوات الخبرة، وأن الولاء للحاكمة أعلى من القدرة على أداء العمل.
ومنذ تلك اللحظة، بدأت الساعات تغرق.
حاشية لا تعرف قراءة الزمن
اختارت الحاكمة امرأةً تُدعى *سيراميس* لإدارة شؤون الوفود والاتصالات بين الأبراج. كانت تظن أن إدارة الناس تعني معرفة أسمائهم وألوان ثيابهم، وأن نجاحها يُقاس بعدد الذين ينحنون لها عند مرورها.
حوّلت قاعة الاستقبال إلى مسرحٍ للمجاملات، وصارت ترسل إلى الحاكمة تقارير طويلة عن ولاء الموظفين، لكنها لم ترسل تقريرًا واحدًا عن انهيار الجسور أو توقف الساعات.
وكانت إذا حذّرها أحد المهندسين من خللٍ خطير، أجابته:
«أنت مسؤول عن التروس، وأنا مسؤولة عن الصورة التي تظهر بها المدينة!»
أما مسؤول القوانين، الذي اتخذ لنفسه اسم غَرْباق، فقد كان أكثرهم خطورة؛ إذ تسلّم مفاتيح دار الأحكام، وأصبح صاحب الرأي في النزاعات والمحاسبات.
لم يكن يقرأ القوانين ليفهمها، بل ليبحث عن الكلمات التي يستطيع استخدامها لمصلحة الحاكمة وأصدقائها. فإذا أخطأ أحد المقرّبين، اختفت الأوراق التي تثبت خطأه، وإذا اعترض موظفٌ نزيه، ظهرت فجأةً لوائح لم يسمع بها أحد من قبل.
وكان غرباق يردد في مجلسه:
«القانون نهرٌ طويل، ومن يملك ضفافه يستطيع أن يحدد إلى أين يجري!»
ولم يدرك أن النهر الذي حوّله إلى أداةٍ للابتزاز كان يقترب يومًا بعد يوم من إغراقه.
لكن الحاكمة لم تكتفِ بهذين الشخصين؛ فقد فتحت أبواب المناصب لأقاربها وجيرانها والمقرّبين منها، ومنحتهم مفاتيح أبراجٍ لا يعرفون حتى أسماء أجزائها.
صار بائع العطور مشرفًا على برج التوقيت، وتولى قريبٌ لها إدارة مخازن المعادن، وأُسندت إلى جارٍ قديم مسؤولية صيانة الأنفاق المائية، بينما أُبعد أمهر الصناع إلى أطراف المدينة، وأُغلقت في وجوههم أبواب الورش التي أفنوا أعمارهم في خدمتها.
لم يكن أحد يسأل المرشحين الجدد عما يعرفونه، بل عما يستطيعون تقديمه للحاكمة.
وكان السؤال الوحيد الذي يضمن لصاحبه المنصب:
«هل أنت معنا؟»
أما السؤال الذي صار يطرد صاحبه من المدينة، فهو: «هل هذا الرجل كفء؟»

الليلة التي توقفت فيها النجوم
مرت شهورٌ قليلة، وبدأت أورام تفقد إيقاعها.
تأخرت سفن الغذاء، وغرقت مخازن القمح في المياه، وتوقفت ساعة البوابة الشمالية، فانحبس آلاف المسافرين خارج الأسوار. وفي كل مرة كان الخلل يتفاقم، يجتمع أصحاب المناصب حول الحاكمة، ويتبارون في اختراع الأعذار.
قالت سيراميس إن المشكلة في قلة احترام الناس للأوامر.
وقال غرباق إن الاعتراض على التعيينات يهدد استقرار المدينة.
وقال أحد الأقارب إن المهندسين القدامى تعمدوا ترك الأبراج معطلة انتقامًا منهم.
فأمرت الحاكمة بمصادرة أدوات المهندسين، ومنعتهم من دخول الورش، وكتبت أسماءهم على ألواح سوداء علّقتها عند بوابات المدينة، ليعرف الجميع أنهم، في نظرها، سبب الخراب.
لكن شيخًا من صناع الساعات، كان يُدعى أورفان، لم يغادر المدينة مثل الآخرين. احتفظ في قبوٍ تحت منزله بدفترٍ قديم يشرح كيف ترتبط الساعات الكبرى بعضها ببعض، وكان يعرف سرًا لم يخطر ببال الحاكمة ولا حاشيتها.
فالساعات لم تكن تعمل بقوة البخار أو الماء وحدهما، بل بمنظومةٍ واحدة تُسمى «قلب الزمن»، فإذا عُطّل عدد كافٍ من التروس الأساسية، توقفت المنظومة كلها، مهما حاول أصحاب المناصب إصدار الأوامر.
وفي ليلةٍ غابت فيها النجوم خلف سحبٍ كثيفة، دقّت ساعة البرج الأكبر ثلاث عشرة دقة، مع أنها لم تكن تدق إلا اثنتي عشرة مرة.
ارتجفت المدينة فوق البحيرة.
ثم بدأت الأبراج تميل، وانطلقت من أعماق الماء أصواتٌ تشبه أنين آلاف الأبواب الحديدية، وانطفأت الأنوار في القصر، وتوقفت ساعة الحاكمة الخاصة.
ولأول مرة، لم تجد المرأة وقتًا تسأل فيه من حولها إن كانت صورتها تبدو مهيبة؛ فقد كان القصر نفسه يغوص.
الرسالة التي خرجت من قاع البحيرة
في صباح اليوم التالي، ظهرت سفينةٌ بيضاء عند بوابة المدينة، تحمل راية المجلس الأعلى للمدن الحرة، ومعها قضاة ومحققون وخبراء في إصلاح المنظومات القديمة.
لم يأتوا استجابةً لشائعةٍ أو خصومة شخصية، بل بعدما وصلت إليهم سجلاتٌ موثقة عن الأموال التي اختفت، والمفاتيح التي وُزعت دون امتحان، والأوامر التي أبعدت أصحاب الخبرة، والعقود التي مُنحت للمقرّبين بأسعارٍ لا تتفق مع قيمتها.
كان أورفان قد أرسل السجلات قبل انهيار المدينة بأسابيع، ولم يطلب لنفسه منصبًا ولا مكافأة؛ طلب فقط أن يأتي يومٌ يستطيع فيه الصناع العودة إلى أعمالهم دون خوف.
بدأ التحقيق، فظهرت دفاترٌ مخفية، وشهاداتٌ متطابقة، وأختامٌ استُخدمت في غير مواضعها، وأموالٌ انتقلت من خزائن المدينة إلى حساباتٍ سرية.
وكُشف أن سيراميس كانت تغيّر سجلات الوفود لإخفاء أصحاب الاعتراضات، وأن غرباق استغل موقعه للتلاعب بالإجراءات وحماية المقرّبين، وأن عددًا من الأقارب والجيران حصلوا على مناصب وعقودٍ لا يستحقونها، بينما شارك بعضهم في الاستيلاء على المال العام.
لم تنفع الحاكمة خطبها، ولم تنقذها شهادات المديح التي جمعتها طوال شهور، ولم يستطع أحدٌ من حاشيتها أن يفسر لماذا كانت المدينة تنهار كلما ازدادت أوسمتهم.
وعندما واجهها كبير القضاة بالسجلات، صاحت: «لقد كنت أحمي سلطتي!»
فأجابها بهدوء: «السلطة التي تحتاج إلى إفساد العمل كي تبقى، لا تحمي نفسها؛ إنها تجمع الأدلة التي ستسقطها.»
السجن الذي لا تدق فيه الساعات
صدر الحكم بعد محاكمةٍ استندت إلى الأدلة، لا إلى الانتقام. عُزلت الحاكمة، وأُدينت هي ومن ثبتت مسؤوليتهم من حاشيتها في قضايا الفساد والتلاعب وإهدار المال العام، وصدر بحقهم حكمٌ بالسجن وفق جرائم كل واحدٍ منهم، ومن بينهم سيراميس وغرباق وعددٌ من الأقارب والمقرّبين الذين شاركوا في المخالفات.
وفي يوم تنفيذ الأحكام، مرت عربات السجناء أمام الأبراج التي كانوا يتباهون بالسيطرة عليها. لم يصفق الناس، ولم يرموا الحجارة؛ فقد كانوا منشغلين باستعادة مدينتهم، وإصلاح ما أفسدته سنوات المحاباة.
أما الحاكمة، فقد جلست خلف بابٍ حديدي، تنظر إلى ساعةٍ صغيرة معلقة في زنزانتها. كانت عقاربها تتحرك ببطء، لكنها لم تعد تملك سلطة تقديمها أو تأخيرها، ولا تستطيع أن تأمر أحدًا بتغيير الوقت من أجلها.
وسألت الحارس ذات ليلة:
«متى ينتهي هذا الليل؟»
فأجابها:
«حين ينتهي وقته.»
وكان ذلك أول درسٍ تتعلمه عن السلطة منذ سنوات.
عاد أورفان والصناع إلى أبراجهم، وأُعيد فتح الورش، وأُنشئت هيئة مستقلة لاختيار المسؤولين، وأصبح كل مفتاحٍ مرتبطًا باختبارٍ موثق، وكل قرارٍ قابلًا للمراجعة، وكل مالٍ عامٍ خاضعًا للرقابة.
وبعد أعوام، عادت الساعات إلى دقاتها المنتظمة، لكن أهل أورام أبقوا البرج الأكبر متوقفًا يومًا واحدًا كل عام، تخليدًا لليلة التي كادت فيها المدينة تغرق.
وعلّقوا عند مدخله لوحةً كتبوا عليها: *«لم تغرق أورام لأن أعداءها كانوا أقوياء، بل لأنها سلّمت مفاتيحها لمن لا يعرفون كيف يفتحون بابًا، ومنحت ثقتها لمن ظنوا أن الولاء بديلٌ عن الكفاءة، وأن الصمت دليلٌ على النجاح.»*
ومنذ ذلك الحين، صار أطفال المدينة يتعلمون أن أخطر أنواع الفساد ليس سرقة المال وحدها، بل سرقة الفرص من المستحقين، وإقصاء الأكفاء، وتحويل المسؤولية إلى مكافأة للأقارب والأصدقاء.
فالأموال المسروقة قد تُسترد، والأبراج المتهدمة قد تُبنى من جديد، أما السنوات التي تُهدر حين يُمنع الأكفاء من العمل، فلا يستطيع أحدٌ إعادتها.
وهكذا انتهت أسطورة مدينة الساعات الغارقة: لم يسقط الجهلاء لأنهم كانوا أقل علمًا فحسب، بل لأنهم اعتقدوا أن امتلاك المفاتيح يعني امتلاك المعرفة، وأن الجلوس في أعلى البرج يجعلهم أعلى من القانون.
لكن الزمن، الذي لا يجامل أحدًا، أثبت لهم أن كل ساعةٍ معطلة تترك أثرًا، وكل قرارٍ ظالم يترك شاهدًا، وأن أبواب السجون قد تُفتح يومًا لمن ظنوا أن أبواب المحاسبة لن تُفتح أبدًا.