الدكتور ناصر الجندي يروى لنا ملحمة أسطورية عنوانها ” سفينة الموتى في بحر بوسيدون”

“أسطورة سفينة الموتى في بحر بوسيدون”

“ملحمة مستوحاة من عالم الإلياذة والأوديسا، عن مملكةٍ أفسدها الخوف، وأغرقها الطمع، حتى صار القانون قناعًا، والخبر سلاحًا، وأصحاب الكفاءة ضحايا حربٍ لم تُرفع فيها السيوف إلا بعد أن تحطمت الضمائر”

بقلم الدكتور ناصر الجندي

لم تكن هذه حكاية طروادة التي عرفها هوميروس، ولا رحلة أوديسيوس الذي تحدّى وحوش البحر، بل أسطورة أخرى تقول الرواة إنها حدثت في زمنٍ نسيه الآلهة، على جزيرةٍ بعيدة بين بحر إيجة وممرات العالم السفلي، حين قررت الآلهة أن تختبر البشر بطريقة لم يسبق لها مثيل.

نبوءة أثينا الأخيرة

في تلك الأيام، كانت مملكة «أركاديا البحرية» تملك أسطولًا لا يُهزم، وميناءً تتزاحم عنده سفن التجار، ومعبدًا عظيمًا تُرفع فيه القرابين إلى بوسيدون، سيد البحار.

وكانت على رأس الميناء امرأة تُدعى كاليبسويا، عُرفت بقدرتها على انتزاع الطاعة من الرجال، لكنها لم تكن تعرف كيف تكسب احترامهم. كانت ترى أن كل قائدٍ مخلصٍ خطرٌ محتمل، وأن كل بحّارٍ يملك خبرةً أكبر من خبرتها قد يصبح منافسًا لها، وأن السفينة التي يقودها رجلٌ لا يخافها هي سفينة لا بد أن تُنزع منه.

لم تكن كاليبسويا تقيس الرجال بما أنجزوه، بل بما يستطيعون تقديمه لها من خضوع. لذلك أحاطت نفسها بطائفةٍ من البحّارة الذين لا يعرفون أسرار البحر، لكنهم يعرفون كيف يرفعون صوت المديح حين تمر بجوارهم.

وكان في القصر ثلاثة أشخاص يتقاسمون صناعة القرار من وراء الستار.

الأولى امرأة تدعى هانكالياس، تتولى شؤون الرسائل والأخبار، وتعرف كيف تجعل من الهمسة عاصفة، ومن الشك يقينًا، ومن البراءة تهمةً لا تحتاج إلى دليل.

والثاني رجل يُدعى غيرابيدوس، يتولى شؤون المراسيم والأحكام، ويضع على باب مكتبه ميزانًا منقوشًا عليه اسم العدالة، بينما كان الميزان في داخله لا يستقر إلا حين تميل كفته إلى صاحب المنفعة. لم يكن يقرأ القوانين ليعرف الحق، بل يبحث في الكلمات عن ثغرةٍ تخدم من يملك المقابل الأكبر. وإذا سُئل عن حكمٍ لا يعرفه، تحدث بثقةٍ تكفي لإسكات السائل، ثم غيّر رأيه حين تتغير الجهة التي تقف أمامه.

أما الثالث، فكان *مورفيوس،* صاحب اللسان الذي يستطيع أن يصنع من الريح عاصفة، ومن الحقيقة الواحدة عشر روايات.

كانت هانكالياس تنقل الأخبار، وغيرابيدوس يمنحها غطاءً من الكلمات القانونية، ومورفيوس يضيف إليها ما يجعلها أكثر إثارةً وخطورة. ثم تصل الحكاية إلى كاليبسويا، فتخرج منها القرارات كأنها حقائق منزلة من جبل الأولمب.

وهكذا لم تعد المملكة تُدار من قاعة الحكم، بل من ممراتٍ مظلمة لا يدخلها أصحاب الضمائر النظيفة.

هانكالياس.. سيدة الهمسات المسمومة

لم تكن هانكالياس صاحبة علمٍ ولا حكمة، لكنها امتلكت موهبةً أخطر من الاثنين: كانت تعرف كيف تختار من الأخبار ما يخدم غرضها، وكيف تخفي نصف الحقيقة لتجعل النصف الآخر يبدو كأنه الحقيقة كلها.

كانت تدخل على كاليبسويا كل صباح، تحمل وجهًا هادئًا ولسانًا ناعمًا، وتبدأ حديثها بعبارةٍ لا تتغير:

«مولاتي، جئتُك بما لا يعرفه أحد غيري».

فتنصت الحاكمة، وتقترب منها، كأنها أمام كاهنةٍ تعرف أسرار الغيب.

كانت هانكالياس تحكي عن هذا القائد أنه يتآمر، وعن ذاك أنه يتعالى، وعن ثالثٍ أنه لا يخلص للمملكة. وإذا سألتها الحاكمة عن الدليل، وضعت يدها على صدرها وقالت:

«يا مولاتي، بعض الأمور لا تُكتب على الرقوق، لكنها تُفهم من العيون».

وكانت تلك الجملة كافيةً لإدانة رجلٍ أفنى عمره في خدمة المملكة!

أما الحقيقة، فكانت شيئًا آخر تمامًا.

كانت هانكالياس تزن الرجال بميزانٍ لا يعرف العدالة؛ فمن أظهر لها منفعةً أصبح صادقًا، ومن تجاهل مصالحها صار موضع ريبة، ومن أغلق بابه أمام أطماعها تحوّل في رواياتها إلى عدوٍّ يتربص بالقصر.

لم تكن الهدايا عندها مجرد أشياء تُقدَّم، بل مفاتيح تفتح أبواب الحكايات التي يريد أصحابها أن تُروى.

وكلما وصلت إليها منفعةٌ جديدة، وجدت في صاحبها فضيلةً لم تكن تعرفها بالأمس، وكلما خرج أحدهم من عندها خالي اليدين، اكتشفت فجأةً عيوبًا لم يرها أحدٌ قبْلها.

وهكذا صار الخبر في مملكة الأقنعة سلعةً، وصارت الحقيقة خادمةً لمن يدفع أكثر.

غيرابيدوس.. حارس القانون الذي لا يعرفه

أما غيرابيدوس، فكان أخطر من هانكالياس في نظر الحكماء؛ لأنها كانت تزرع الشك، بينما كان هو يمنح الشك ثوبًا رسميًا.

كان يجلس خلف منضدةٍ ضخمة، تحيط به لفائف القوانين وأختام المملكة، ويتحدث عن العدالة كأنه حارسها الأخير، مع أنه لم يكن يفرق بين نصٍّ يحمي الحقوق ونصٍّ يحاول أن يتخذه ذريعةً لإهدارها.

إذا جاءه صاحب حقٍّ لا يملك إلا حجته، طالبه بأوراقٍ لا تنتهي، وأغرقه في أسئلةٍ لا علاقة لها بجوهر المسألة. وإذا جاءه صاحب نفوذ، تحولت الأبواب المغلقة إلى ممراتٍ مفتوحة، وظهرت فجأةً حلولٌ لم تكن موجودةً قبل وصوله.

وكان يردد أمام المقربين منه:

«القانون بحرٌ واسع، ومن يعرف كيف يبحر فيه يصل إلى الشاطئ الذي يريد».

لكنه نسي أن القانون ليس بحرًا يملكه الملاح، ولا مركبًا يغيّر وجهته بحسب ما يُدفع لقائده.

وذات مرة، اعترض عليه كاتبٌ مسنٌّ من كتبة المملكة، وقال له:

«إن القانون الذي يتغير حكمه بتغير صاحب المصلحة لم يعد قانونًا، بل صار ستارًا يتخفى خلفه الأقوى».

فابتسم غيرابيدوس، وأجاب:

«أنت تتحدث عن العدالة كما ينبغي أن تكون، وأنا أتعامل مع المملكة كما هي».

كانت تلك الجملة خلاصة فلسفته كلها: لم يكن يسعى إلى إصلاح الواقع، بل إلى استغلال عيوبه، ولم يكن يخشى أن يخطئ في فهم القانون بقدر ما كان يخشى أن تفوته منفعةٌ يستطيع الحصول عليها.

ومع مرور الأيام، أصبح غيرابيدوس شريكًا لهانكالياس ومورفيوس؛ فهي تأتيه بالرواية، وهو يبحث لها عن غطاء، ثم تُرفع الرواية إلى كاليبسويا في صورة قرارٍ يبدو رسميًا، مع أن أساسه لم يكن سوى خصومةٍ أو منفعةٍ أو خبرٍ لم يخضع للتحقق.

وهكذا اكتمل المثلث المظلم: لسان يختلق، وقلمٌ يبرر، وعرشٌ يصدق.

IMG 20261025 WA0203 1

الحاكمة التي أغمضت عينيها بإرادتها

كانت كاليبسويا ترى بعينيها، لكنها لم تعد تستخدمهما.

لقد سلّمت عقلها إلى هانكالياس، وقراراتها إلى غيرابيدوس، وأذنيها إلى مورفيوس، حتى أصبح الثلاثة يختارون لها من تصدق، ومن تكره، ومن ترفع، ومن تلقي به خارج أسوار القصر.

إذا مدحت هانكالياس أحدًا، رأته الحاكمة جديرًا بالثقة. وإذا قال غيرابيدوس إن قرارًا ما يمكن تمريره، لم تسأل إن كان عادلًا. وإذا روى مورفيوس قصةً عن قائدٍ مخلص، رأته خطرًا على سلطتها.

ولم تكن تقبل أن تسمع روايةً ثانية؛ لأنها كانت تخشى أن تكتشف أن الرواية الأولى كاذبة، وأن السنوات التي قضتها في إصدار الأحكام لم تكن سنوات حكمٍ رشيد، بل سنواتٍ من السير خلف ظلالٍ لا وجود لها.

وذات يوم، وقف أمامها أحد كبار رجال المملكة، وكان معروفًا بالعدل، قويًّا في عمله، لا يشتري رضا أحدٍ ولا يسمح لأحدٍ أن يشتري ضميره.

قال لها بهدوء:

«مولاتي، إن الحكم الذي يُبنى على روايةٍ واحدة يشبه قصرًا بُني على الرمل. قد يبدو عظيمًا في أعين الناس، لكنه يسقط عند أول اختبار».

تغير وجه الحاكمة، ونظرت إلى هانكالياس.

لم تحتج الأخيرة إلى أكثر من نظرةٍ واحدة لتفهم ما يجب فعله.

انحنت قليلًا، وهمست:

«مولاتي، لقد حذرتكِ منه طويلًا. إنه يريد أن يُظهر نفسه أعدل منكِ، وأن يجعل الناس يثقون به أكثر مما يثقون بكِ».

ثم تدخل غيرابيدوس، وفتح إحدى اللفائف، وأخذ يتحدث عن مقتضيات النظام وهيبة المنصب، حتى بدا الأمر كأن إبعاد الرجل ضرورةٌ تفرضها القوانين، لا رغبةٌ فرضتها المخاوف.

لم تطلب الحاكمة سجلًّا، ولم تستدعِ شاهدًا، ولم تمنح الرجل فرصةً لعرض ما لديه.

أصدرت أمرها بإبعاده عن منصبه.

وفي اليوم التالي، جلس مكانه رجلٌ لم يكن أكثر كفاءةً منه، لكنه كان أكثر طاعةً لمن يملكون مفاتيح الأبواب الخلفية.

ثم تكرر الأمر.

أُبعد النزيه لأنه لا يجامل، وأُقصي الكفء لأنه لا ينافق، وحُوصر صاحب الخبرة لأنه لا يصفق لكل قرار، بينما ارتفعت أسهم أصحاب الولاء الشخصي، وأصبح القرب من الحاكمة أهم من سنوات العمل، وأغلى من الشهادات، وأثقل من الإنجاز.

ومع كل رجلٍ شريفٍ يغادر منصبه، كانت هانكالياس تقترب خطوةً أخرى من قلب القصر، وكان غيرابيدوس يضيف إلى نفوذه ختمًا جديدًا، وكان مورفيوس يجد حكايةً أخرى يرويها.

أما الحاكمة، فكانت تزداد اقتناعًا بأنها تُحسن الاختيار!

ولم تفهم أن الإنسان قد يخطئ حين يختار، لكنه يصبح أسيرًا لخطئه حين يرفض مراجعة اختياره.

الليلة التي جاءت فيها الهدية الكبرى

في ليلةٍ شديدة البرودة، وصل إلى القصر تاجرٌ مشهورٌ بقدرته على شراء رضا أصحاب النفوذ.

دخل على هانكالياس حاملًا صندوقًا فاخرًا، لم يكن أكبر من صندوق مجوهرات، لكنه كان كافيًا ليغيّر مصير رجالٍ ويصنع مستقبل آخرين.

استقبلته بابتسامةٍ لم تمنحها يومًا لأحدٍ من أصحاب المظالم.

وبعد أن غادر، دخلت على الحاكمة وقالت:

«مولاتي، لقد ظهر خطرٌ جديد، ولا بد أن نتحرك قبل فوات الأوان».

كان المقصود رجلًا أمينًا رفض أن يمرر قرارًا لا يستند إلى قواعد المملكة، فصار في رواية هانكالياس متآمرًا، وفي خيال الحاكمة عدوًّا، وفي سجلات القصر اسمًا يجب التخلص منه.

استُدعي غيرابيدوس، فعكف على الأوراق قليلًا، ثم خرج بعباراتٍ مبهمة جعلت الاتهام يبدو كأنه مسألةٌ إجرائية لا تستحق التوقف عندها.

لم يسأل عن أصل الرواية، ولم يبحث عن شاهدٍ مستقل، ولم يهتم إن كان الرجل قد ارتكب مخالفةً أصلًا. كان همه أن يجد طريقًا يجعل القرار ممكنًا، لا أن يعرف إن كان القرار حقًا.

لكن هذه المرة، لم تكن هانكالياس تعرف أن أحد حرّاس القصر قد رأى التاجر يدخل، وأن كاتبًا قديمًا دوّن موعد الزيارة، وأن أمين السجلات احتفظ بنسخةٍ من الرسائل التي حاول بعضهم إخفاءها.

كانت الحقيقة تجمع أوراقها في صمت.

وفي صباح اليوم التالي، صدر أمرٌ جديد بإبعاد الرجل الشريف، لكن الأمر هذه المرة وصل إلى مجلس الرقابة الأعلى، حيث كان يجلس قاضٍ عجوز عُرف عنه أنه لا يبيع حكمه مقابل ذهبٍ ولا يغير رأيه خوفًا من سلطان.

قرأ القاضي القرار، ثم سأل سؤالًا واحدًا:

«أين الأدلة؟»

ساد الصمت.

قالت هانكالياس إن لديها أخبارًا موثوقة، وإن مصادرها لا تخطئ.

فأجابها القاضي:

«المصدر الذي لا يُسأل عن دليله ليس مصدرًا موثوقًا، بل بابٌ مفتوحٌ للفتنة».

ثم التفت إلى غيرابيدوس وسأله:

«وعلى أي أساسٍ من القانون بنيت هذا القرار؟»

بدأ غيرابيدوس يتحدث عن الصلاحيات والإجراءات، لكن القاضي طلب منه تحديد النصوص، وشرح صلتها بالواقعة، وبيان الأدلة التي استند إليها.

تعثرت الكلمات، وتكاثرت التناقضات، وسقطت العبارات التي كانت تبدو قويةً ما دامت لا تواجه سؤالًا دقيقًا.

ثم طلب القاضي السجلات، واستدعى الشهود، وقارن التواريخ، ووضع روايات هانكالياس أمام الوقائع.

وكلما انكشف تناقضٌ، حاولت أن تصنع حكايةً جديدة. وكلما ظهرت ورقةٌ تكشف الحقيقة، حاول غيرابيدوس أن يختبئ وراء عبارةٍ أخرى.

لكن الأوراق لا تخاف أصحاب الأصوات العالية، والتواريخ لا تتغير لأن أحدًا لا يحب نتائجها.

وفي نهاية التحقيق، ظهرت المفاجأة التي هزت القصر كله: الأخبار التي بُنيت عليها قرارات الإقصاء لم تكن مجرد أخطاءٍ عابرة، بل رواياتٌ متناقضة، وشهاداتٌ بلا سند، ومصالحُ اختبأت خلف ستار النصيحة والولاء، ثم وجدت من يحاول أن يمنحها شرعيةً لا تستحقها.

أما الحاكمة، فقد اكتشفت أن المرأة التي ظنتها عينها التي ترى بها، كانت هي الحجاب الذي يمنعها من الرؤية، وأن الرجل الذي ظنته حارس القانون لم يكن قادرًا على حمايتها من نتائج قراراته.

 

“سقوط الأقنعة السبعة”

استُدعيت الحاكمة إلى مجلس المساءلة، وجلس أمامها رجالٌ ونساءٌ سبق أن أُبعدوا عن مواقعهم، بعضهم حمل ملفات الإنجاز، وبعضهم جاء بشهادات من عملوا معهم، وبعضهم لم يحمل سوى صمتٍ طويلٍ أثقل من الكلام.

لم يصرخوا، ولم يطلبوا الانتقام، بل وضعوا أمام المجلس سؤالًا واحدًا:

«كم فرصةً ضاعت على المملكة لأن أصحاب الكفاءة أُبعدوا، وكم قرارًا خاطئًا اتُّخذ لأن أحدًا فضّل أن يسمع ما يريحه على أن يعرف ما حدث؟»

كان السؤال أقسى من أي اتهام.

فالمظلوم الذي يطلب حقه قد ينسى جرحه مع الزمن، أما المؤسسة التي تُقصي الأكفاء، فإنها تدفع ثمن ذلك كل يوم؛ في عملٍ يتعطل، وقرارٍ يختل، وثقةٍ تتآكل، وأبوابٍ تُفتح لمن لا يستحقونها.

حاولت الحاكمة أن تدافع عن نفسها، وقالت إنها اعتمدت على ما نُقل إليها، وإنها لم تكن تعرف أن الأخبار كاذبة.

فقال القاضي:

«قد يُعذر الحاكم إن خُدع مرة، لكنه لا يُعفى من المسؤولية إذا جعل أذنه مفتوحةً للوشاية، وأغلق أبواب التحقق، ثم عاقب الناس بناءً على ما يسمع. فالسلطة لا تمنح صاحبها حقَّ تصديق ما يشاء، بل تفرض عليه واجب التأكد مما يصدق».

ثم التفت إلى هانكالياس، وسألها عن الهدايا، وعن الأخبار التي نقلتها، وعن الأشخاص الذين ارتفعت مكانتهم بعد زياراتها، وعن أولئك الذين سقطوا بعد أن غادروا مجلسها.

لم تجد هذه المرة بابًا خلفيًّا تهرب منه، ولا حاكمةً مستعدةً لتصديق روايةٍ جديدة.

ثم التفت إلى غيرابيدوس، ووضع أمامه الأوراق التي استند إليها في تبرير القرارات.

قال له:

«لقد جعلت من القانون ستارًا بدل أن تجعله ميزانًا. فهل كنت تجهل ما تكتب، أم كنت تعرف أن ما تكتبه لا يخدم الحق، لكنك اخترت المنفعة؟»

لم يجد غيرابيدوس جوابًا ينقذه.

وانهارت الأقنعة السبعة، واحدًا بعد الآخر.

كُشفت شبكة المصالح، وبدأت مراجعة القرارات التي اتُّخذت بغير دليل، وأُحيلت الوقائع التي ثبتت إلى جهات المحاسبة المختصة، وأُعيد النظر في حقوق أصحاب الكفاءة وفقًا للقواعد، بينما خضع من ثبتت مسؤوليته للمساءلة العادلة.

أما هانكالياس، التي اعتادت أن تدخل القصر حاملةً الأخبار، فقد خرجت منه وهي تعرف للمرة الأولى أن الخبر الذي لا يستند إلى الحقيقة قد يتحول إلى شاهدٍ ضد صاحبه.

وأما غيرابيدوس، الذي اعتاد أن يختبئ خلف الأختام والعبارات القانونية، فقد اكتشف أن الورق لا يمنح صاحبه حصانةً من السؤال، وأن من يستخدم القانون لخدمة المنفعة قد يجد نفسه يومًا مطالبًا بتفسير كل كلمةٍ كتبها.

والحاكمة التي كانت تظن أنها لا تُخدع، جلست أمام مرآتها القديمة، تتأمل وجهها طويلًا.

لم يتغير وجهها، لكن شيئًا في داخلها انكشف.

أدركت متأخرةً أن هانكالياس لم تكن وحدها مسؤولةً عن الكارثة، وأن غيرابيدوس لم يكن قادرًا على تحويل الظلم إلى عدلٍ إلا لأنها سمحت له بذلك، وأن مورفيوس لم يكن ليصنع كل تلك الحكايات لولا وجود من يريد تصديقها.

فالشيطان لا يحتاج دائمًا إلى أن يكذب على الناس؛ أحيانًا يكفيه أن يجد فيهم رغبةً شديدةً في تصديق الكذبة، أو استعدادًا لبيع الحقيقة مقابل منفعة.

جزيرة الحقيقة

بعد انحسار العاصفة، لم تعد السفن إلى الميناء مباشرةً، بل قادتها السفينة السوداء إلى جزيرةٍ لم تظهر على الخرائط، اسمها «جزيرة الحقيقة».

في وسط الجزيرة، ارتفع معبدٌ أبيض، وعلى بابه كُتبت وصيةٌ تنسبها الأسطورة إلى أثينا: «لا يدخل هذا المعبد من يريد أن يسمع ما يريحه، بل من يملك الشجاعة ليسمع ما يكشف خطأه».

هناك، عُقد مجلسٌ حضره البحّارة والتجار وحراس الميناء، ووُضعت أمامه سجلات القرارات، ورسائل هانكالياس، ومراسيم غيرابيدوس، وحكايات مورفيوس، وأسماء الذين ارتفعت مكانتهم بالهدايا والمصالح، وأسماء الذين أُبعدوا رغم كفاءتهم.

وللمرة الأولى، لم يكن هانكالياس ولا غيرابيدوس ولا مورفيوس من يروون القصة.

كانت الوثائق تتحدث.

وتبيّن أن أخبارًا كثيرةً كانت مختلقة، وأن بعض الاتهامات صيغت لخدمة أصحاب المصالح، وأن قراراتٍ مصيرية اتُّخذت من دون تحقيقٍ أو سماعٍ للطرف الآخر، وأن القانون استُخدم في بعض الوقائع غطاءً لقراراتٍ كان ينبغي أن تخضع للمراجعة.

أما كاليبسويا، فحاولت القول إنها لم تكن تعرف، وإن من حولها خدعوها.

لكن أحد القادة السبعة أجابها:

«ربما خدعوكِ في بعض الأخبار، لكنكِ لم تكوني مجبرةً على تصديقهم. لقد اخترتِ الرواية التي وافقت خوفك، وأبعدتِ من كان يستطيع كشفها. لا يستطيع أحدٌ أن يحمي الحاكم من أخطائه إذا كان الحاكم نفسه يطرد كل من يحاول تنبيهه».

عندها، ساد الصمت.

لم تكن تلك الكلمات لعنةً من إله، بل حكمًا أصعب من اللعنة: أن يرى المرء الحقيقة بعد أن تكون قراراته قد ألحقت الأذى بالآخرين.

قضى المجلس بإبعاد من ثبتت إساءة استخدامه لموقعه عن إدارة الأخبار والقرارات ذات الصلة، وإحالة ما ثبت من مخالفات إلى المحاسبة، وإعادة النظر في قرارات العزل والتعيين، ووضع قواعد لا تسمح بأن تتحول الهدية إلى نفوذ، أو الوشاية إلى دليل، أو القرب الشخصي إلى معيارٍ لتولي المسؤولية.

أما كاليبسويا، فقد فقدت سلطتها على الميناء، لا بيد عدوٍّ غازٍ، ولا بضربةٍ من رمح بوسيدون، بل بقرارٍ أصدره أهل المملكة بعدما أدركوا أن استمرارها يعني استمرار الكارثة.

ولم يكن ذلك نهاية الأسطورة.

فالنهاية الحقيقية جاءت بعد أعوام.

لماذا ظلت السفينة السوداء تبحر؟

تقول الرواية إن البحّارة السبعة عادوا إلى الميناء، وأعادوا بناء الأسطول، وعلّموا الصغار أن النجوم لا تتغير لأن القبطان لا يحب اتجاهها، وأن الأمواج لا تكذب لإرضاء أحد، وأن السفينة لا تنجو بكثرة من يصفقون لقائدها، بل بوجود من يعرفون متى يغيرون اتجاهها.

أما السفينة السوداء، فقد بقيت تظهر مرةً كل عام، في الليلة التي هبّت فيها العاصفة.

وكان أهل الميناء يتركون عند رصيفها مصباحًا مضاءً، تذكرةً لكل من يتولى أمرًا من أمور الناس.

وفي إحدى الليالي، سأل طفلٌ شيخًا من البحّارة:

«هل كانت كاليبسويا شريرةً منذ البداية؟»

فأجاب الشيخ:

«لا أحد يعرف متى يبدأ الإنسان في ظلم الآخرين. أحيانًا يبدأ الأمر بخوفٍ صغير، ثم يتحول الخوف إلى شك، والشك إلى اتهام، والاتهام إلى قرار، حتى يستيقظ صاحبه ذات يوم فيجد أنه لم يعد يحكم المملكة، بل تحكمه أكاذيبه».

ثم أشار إلى البحر وقال:

«تذكّر يا بني، إن أخطر ما قد يحدث للمملكة ليس أن يجلس على كرسيها شخصٌ فاسد، بل أن يصبح الصدق فيها جريمة، والكفاءة خطرًا، والنصيحة خيانة، والهدية أقصر طريقٍ إلى السلطة، والقانون أداةً في يد من يعرف كيف يستغله لا من يعرف كيف يحترمه».

ومنذ ذلك اليوم، صار أهل الجزر يرددون حكمةً مستوحاة من حكاية السفينة السوداء: *«في حروب طروادة، كان المحارب يخشى سيف عدوه؛ وفي أوديسا، كان البحّار يخشى وحوش البحر؛ أما في مملكة كاليبسويا، فقد كان الجميع يخشى حقيقةً لا يريد الحاكم أن يسمعها، وقانونًا لا يحميهم، وخبرًا قد يُباع قبل أن يصل إليهم».*

لأن العدو الذي يقف أمامك تستطيع أن تستعد له، والوحش الذي تراه تستطيع أن تحذره، أما الخطر الذي يجلس بجوار العرش، ويصنع قراراته من أخبارٍ كاذبة، ويمنح المصالح ثوب القانون، ويُقصي أهل الخبرة ليحيط نفسه بالمصفقين، فإنه قد يُغرق المملكة قبل أن يدرك أحدٌ أن الحرب قد بدأت.

وتلك هي لعنة كاليبسويا: لم يهزمها أوديسيوس، ولم يقتلها بوسيدون، ولم تسقط بسبب خيانة هانكالياس أو غيرابيدوس أو مورفيوس وحدهم؛ بل سقطت يوم جعلت من تصديق ما تحب أقوى من واجب معرفة الحقيقة، ومن المنفعة أعلى من القانون، ومن الطاعة بديلًا عن الكفاءة.

زر الذهاب إلى الأعلى