
“أسطورة مهرائيل بن قينان: حين اشترت الظلال عرش الحكمة” أسطورة يروي لنا تفاصيلها الدكتور ناصر الجندي
أسطورة مهرائيل بن قينان: حين اشترت الظلال عرش الحكمة
بقلم الدكتور ناصر الجندي
في زمنٍ سحيق، حين كانت الممالك تُبنى بالحجر، وتُهدم بالخيانة، عاشت مملكة عظيمة تُدعى *مملكة الألواح السبعة،* وكان أهلها يؤمنون بأن المعرفة أمانة، وأن من يتولى أمرها إنما يحمل على كتفيه مستقبل الأجيال.
وفي سجلات تلك المملكة القديمة، ورد اسم غامض هو *مهرائيل بن قينان،* الرجل الذي ارتبطت حكايته بسرٍّ تناقلته الأجيال عن العروش التي تسقط حين يشتري أصحابها الولاء ويبيعون الحق.
تقول الأسطورة إن امرأة اعتلت عرش دار الحكمة، بعدما أقسمت أمام مجلس المملكة أن تجعل الكفاءة ميزانًا، والأمانة قانونًا، والعدل بابًا لا يُغلق في وجه أحد. لكنها ما إن أمسكت بمفاتيح السلطة حتى بدأت تُغيّر قواعد المملكة بصمت؛ فلم يعد السؤال: من الأقدر على حمل المسؤولية؟ بل أصبح: من الأقرب إلى صاحبة العرش، ومن يستطيع أن يحفظ لها مكانها ولو على حساب الحقيقة؟
كانت الهدايا تصل إلى قصرها في صناديق مختومة، لا يعرف أحد ما بداخلها، وكان بعض أصحاب المصالح يخرجون من أبواب القصر وقد تبدلت أحوالهم، بينما يقف أصحاب الخبرة والنزاهة أمام الأبواب نفسها، يحملون سجلات إنجازاتهم وشهادات كفاءتهم، فلا يجدون إلا الصمت.
لم تكن تخشى الفاشلين، بل كانت تخشى الناجحين؛ فالفاشل يحتاج إليها، أما الشريف القادر فلا يبيع ضميره ليبقى في منصبه. ولهذا أخذت تُبعد أصحاب الرأي المستقل، وتنقل الأمناء إلى مواقع لا يستطيعون فيها التأثير، وتُقرّب من يُجيدون التصفيق أكثر مما يُجيدون العمل، حتى تحولت دار الحكمة شيئًا فشيئًا إلى قصر تتردد فيه أصوات المديح، بينما ماتت في أروقته لغة الحقيقة.
لكنها ارتكبت خطأً لم تنتبه إليه؛ فقد ظنت أن إبعاد الشرفاء يُنهي وجودهم، ولم تفهم أن الإنسان قد يُنتزع من كرسيه، لكن أثره لا يُنتزع من ذاكرة الناس.
وفي ليلة مقمرة، ظهر على باب المدينة شيخ غريب، يحمل لوحًا أسود تتوسطه سبع دوائر من الفضة. لم يعرف أحد من أين جاء، لكنه طلب مقابلة مجلس المملكة، وقال بصوت هادئ:
«جئت أبحث عن مهرائيل بن قينان، فقد حان الوقت لقراءة الصفحة التي أُخفيت من كتاب العرش».
اضطرب حراس القصر، وتغير وجه صاحبة العرش حين سمعت الاسم؛ فقد كانت قد عثرت في الأرشيف القديم على إشارة إليه، وعلمت أن مهرائيل لم يكن ملكًا ولا كاهنًا، بل كان حافظًا لسجلٍّ لا تُمحى منه الأفعال، مهما طال الزمن ومهما ارتفعت الأسوار.
وفي الصباح، اجتمع مجلس المملكة، ووُضع اللوح الأسود أمام القضاة. وحين لامست أصابع الشيخ الدائرة الأولى، ظهرت عليها أسماء أصحاب الكفاءة الذين أُبعدوا، وإلى جوار كل اسم سجلٌّ بما قدمه من أعمال. وفي الدائرة الثانية ظهرت أسماء من صعدوا بغير استحقاق، وفي الثالثة انكشفت الهدايا التي حاول أصحابها إخفاءها خلف ستائر المجاملة.

أما الدوائر الأربع الباقية، فقد حملت ما هو أشد خطرًا: أوامر ظالمة، وشهادات كُتمت، وحقوقًا ضاعت، وتوقيعات ظنت صاحبتها أنها ستبقى بعيدة عن أعين المحاسبة.
صرخت صاحبة العرش: «هذه أكاذيب نسجها أعدائي!»
فأجاب الشيخ: «لو كان الأمر خصومةً بينك وبين أعدائك، لكان لكلٍّ منكم روايته. لكننا هنا أمام سجلاتٍ تشهد عليها الأختام، وأعمالٍ تشهد عليها نتائجها، وحقوقٍ لا تسقط لأن صاحبها أُبعد عن الباب».
ثم فتح الشيخ الصفحة الأخيرة، وكانت تحمل عبارة واحدة: «حين يصبح الولاء أغلى من الكفاءة، يبدأ سقوط المؤسسة، وحين يصبح المال أقوى من الأمانة، يبدأ سقوط صاحب السلطة».
أُوقف أصحاب المصالح عن مواقعهم، وفُتحت السجلات للمراجعة، واستُدعي كل من شارك في الظلم ليجيب عن أفعاله وفقًا للقانون. وأُعيد النظر في قرارات الإبعاد، وعاد بعض أصحاب الكفاءة إلى مواقع يستحقونها، فيما بقي آخرون شهودًا على أن الكرامة لا تحتاج إلى كرسي كي تثبت وجودها.
أما صاحبة العرش، فقد وجدت نفسها وحيدة في القاعة التي كانت تضج بالتصفيق؛ أولئك الذين وعدوها بالوفاء اختفوا حين بدأت الأسئلة، وأولئك الذين أهانتهم لم يطلبوا الانتقام، بل طلبوا أن تُكتب الحقيقة في سجل المملكة حتى لا يتكرر ما حدث.
وعندما أُغلقت أبواب القصر خلفها، التفت الشيخ الغريب إلى مجلس الحكم وقال:
«لا تظنوا أن هذه نهاية الحكاية؛ فكلما اعتقد صاحب سلطة أن المناصب ملكٌ له، وأن الناس أدواتٌ في يده، وُلد مهرائيل بن قينان من جديد، لا في صورة رجل يحمل لوحًا أسود، بل في صورة حقيقةٍ حاول الجميع تأجيلها».
ثم اختفى الشيخ كما ظهر، وبقي اللوح في دار الحكمة، لا ليخيف الحكام، بل ليذكّرهم بأن السلطة مهما طالت لا تمنح صاحبها حقًّا في إفساد الأمانة.
ومنذ ذلك اليوم، صار أهل المملكة يرددون حكمة مهرائيل بن قينان: «قد تستطيع أن تُقصي الشريف من منصبه، لكنك لا تستطيع أن تجعل الباطل حقًّا بإقصائه؛ وقد تشتري حول عرشك مئة صوت، لكن صوت الحقيقة وحده يكفي ليكشف أن العرش كان قائمًا على الرمل».
وهكذا انتهت الأسطورة، لا بانتصار رجل على امرأة، ولا بصراع بين أصحاب المناصب، بل بانتصار المبدأ الذي لا ينبغي أن يتغير بتغير الحكام: أن المنصب أمانة، والكفاءة معيار، والمال الذي يشتري القرار لا يشتري البراءة، وأن العدالة قد تتأخر، لكنها لا تفقد قيمتها حين تصل.