
الدكتور ناصر الجندي يروى المجهول عن “أسطورة ناسجة الأكفان البيضاء”
أسطورة ناسجة الأكفان البيضاء
من حضارة متخيَّلة سبقت ميلاد الكتابة، في زمن كانت فيه النجوم تُدفن مع الموتى
بقلم الدكتور ناصر الجندي
في عصر لم تكن فيه المدن قد تعلمت كيف تكتب أسماءها، قامت مملكة غريبة عند حافة بحر متجمد، وكان أهلها يعتقدون أن لكل شيء يولد على الأرض خيطًا فضيًا يمتد إلى السماء؛ خيطًا يحمل أثره، ويحفظ ما قدمه، وما تركه خلفه، حتى بعد أن يغيب جسده.
وكانت للمملكة حرفة لا تعرفها سائر الشعوب؛ حرفة نسج الأكفان البيضاء التي تُلف بها الأشياء حين تنتهي مهمتها في العالم. فإذا مات حصان الملك، نُسج له كفن، وإذا سقط جبل في البحر، نسج الكهنة كفنًا لحجره الأخير، وإذا انتهى عهد حاكم، اجتمع النساجون ليحفظوا في خيوط الكفن ما فعله في أيامه.
لكن تلك المملكة ابتُليت يومًا بامرأة لم ترد أن تحكم الناس وحدهم، بل أرادت أن تحكم ما يتذكره الناس عنهم. كانت تُدعى سيدة الخيوط الصامتة.
لم تكن تملك جيشًا عظيمًا، ولا سلاحًا لا يُهزم، وإنما ورثت سرًا قديمًا: مقصًّا من معدن سقط من نجم محترق، يستطيع قطع الخيط الفضي الذي يصل أي إنسان بأثره في العالم.
في البداية، استخدمت المقص لإنهاء خصومات قديمة، ثم اكتشفت أن من يُقطع خيطه لا يختفي من الحياة، لكنه يصبح بلا أثر؛ لا يتذكر الناس إنجازاته، ولا يعرفون لماذا كان اسمه مهمًا، ولا يستطيع أحد أن يثبت أنه فعل شيئًا يستحق الذكر.
وهنا بدأت الحكاية الحقيقية.
كانت سيدة الخيوط محاطة بثلاث شخصيات لم تجمعها بها المحبة، بل الخوف من العالم الذي سيبقى إن غابت عنه.
الأول كان تاجر ملح يشتري صمت الشهود، والثاني صانع أختام يستطيع أن يجعل الورقة تبدو صحيحة مهما كان أصلها، والثالث رجل يبيع للمتنازعين روايات مختلفة عن الحادثة نفسها، حتى لا يعود أحد يعرف أين بدأت الحقيقة.
وكانت المرأة ترى فيهم عبقرية نادرة، لأنها لم تكن تبحث عمن يصنع شيئًا للمملكة، بل عمن يستطيع أن يجعلها تبدو عظيمة في عيون المملكة.
كلما أخفق أحدهم، قطعت من خيوط ذاكرة الناس أثر إخفاقه.

وكلما نجح رجل مستقل في إنجاز عمل كبير، أخذت تنظر إلى اسمه باعتباره خطرًا على الحكاية التي تصنعها لنفسها.
وفي يوم، جاءها مهندس عجوز اسمه في لغة تلك المملكة «حامل الفجر»، وأخبرها أن النهر الشمالي بدأ يغير مجراه، وأن السدود لن تصمد أمام ذوبان الجليد.
لم يكن الرجل يريد منصبًا، ولم يطلب مكافأة، بل أراد أن تُرسل فرق الإصلاح قبل فوات الأوان.
لكن المرأة لم تسمع تحذيره بوصفه معرفة؛ سمعته بوصفه إهانة، لأن الاعتراف بصحة كلامه كان يعني أن المملكة تحتاج إلى عقل لا تملكه هي.
أمرت بنزع اسمه من سجلات البنّائين، ثم قطعت خيطه الفضي.
وفي الصباح، استيقظ الناس وهم لا يتذكرون من بنى الجسور القديمة، ولا من رسم مسارات الماء، ولا لماذا كانت السدود قائمة في مواضعها.
حلّ رجال الحاشية مكانه.
لم يعرفوا قراءة الجليد، لكنهم عرفوا كيف يقفون أمام المرأة بثياب فاخرة، وكيف يرفعون أيديهم عند حديثها، وكيف يعلنون أن النهر لن يتحرك ما دامت إرادتها قوية. فصدقتهم.
بعد موسم واحد، انشق السد الشمالي.
اندفع الماء فوق القرى، وجرف مخازن الحبوب، وغرقت ورش كانت المملكة تعتمد عليها في صناعة أدواتها.
وعندما طلبت المرأة تفسيرًا، تبادل رجالها الاتهامات. قال صانع الأختام إن الخرائط قديمة، وقال تاجر الملح إن العمال لم ينفذوا التعليمات، وقال بائع الروايات إن الكارثة لم تكن متوقعة.
لكن أحدًا لم يستطع أن يخبرها كيف كانت المملكة تصلح السدود قبل أن يتولوا أمرها.
لقد قطعت الخيط الذي كان يحمل المعرفة.
ولأنها لم تفهم الدرس، قررت أن تبحث عن مذنب آخر.
كان في المملكة ثلاثة نساجين شباب اكتشفوا أن المقص النجمي لا يقطع خيوط الذاكرة فحسب، بل يترك في نسيج السماء فراغًا لا يمكن رتقُه. ذهبوا إليها وحذروها من أن استمرارها في محو الناس سيؤدي إلى تمزيق النسيج الذي يحفظ توازن العالم.
لكنها رأت في تحذيرهم مؤامرة جديدة.
قطعت خيوطهم أيضًا.
وفي تلك الليلة، اختفت من السماء ثلاث نجوم.
لم يلاحظ أحد الأمر أولًا، لأن الحاشية أعلنت أن النجوم قد خفتت احترامًا لجلال الحاكمة، وأن السماء نفسها تتغير لتوافق عهدها الجديد.
صفق الناس خوفًا، وسكتوا حيرةً، وبدأوا يتجنبون النظر إلى الأعلى.
أما التحول الذي لم تحسب له المرأة حسابًا، فقد بدأ من مكان بعيد، في جزيرة لا يسكنها البشر، بل طيور بيضاء ضخمة كانت تبني أعشاشها من الخيوط الفضية المتساقطة من السماء.
كانت تلك الطيور لا تعرف أسماء الملوك، ولا تهتم بأختامهم، لكنها كانت تجمع كل خيط مقطوع، وتحفظه في أعشاشها.
وعندما انقطعت خيوط المهندس العجوز والنساجين الثلاثة، حملت الطيور خيوطهم إلى جبل أسود، ووضعتها في شق عميق ظل مغلقًا منذ بداية الزمن.
هناك، اجتمعت الخيوط التي حاولت المرأة محوها، وبدأت تصنع شيئًا لم تره المملكة من قبل: نسيجًا هائلًا يحمل آثار كل من عملوا دون أن ينالوا التقدير، وكل من حُرموا من مواقعهم لأنهم رفضوا الكذب، وكل من ضاعت إنجازاتهم لأن أصحاب النفوذ أرادوا أن يحتكروا المجد.
لم تكن تلك الخيوط تصنع جيشًا، ولم تكن تطالب بالانتقام.
كانت تستعيد الذاكرة.
وفي صباح اليوم السابع، استيقظ الناس على مشهد عجيب: ظهرت فوق الجبل صور لأعمال قديمة، جسور وقنوات وسدود ومشروعات لم يعد أحد يعرف من بناها. وظهرت معها أسماء أصحابها، وأسباب إبعادهم، والقرارات التي أدت إلى ضياع أعمالهم.
لم تكن الصور أحكامًا قضائية، ولم تكن كل علامة فيها دليلًا على جريمة، لكنها أعادت إلى العالم ما حاولت الحاكمة انتزاعه منه: القدرة على السؤال والمراجعة والمحاسبة.
وصل الخبر إلى مجلس الشعوب المجاورة، فأرسل المجلس محققين مستقلين لفحص السجلات ومقارنة الوقائع، والتحقق من التجاوزات التي كُشفت، دون الاكتفاء بما تعرضه الصور أو ما تقوله الحاشية.
وخلال التحقيق، ظهرت معاملات مالية لا تتفق مع سجلات المخازن، وأوامر استبعاد لا تستند إلى معايير معلنة، وشهادات عن استخدام المقص لإخفاء آثار قرارات سابقة.
أُعفيت المرأة من إدارة المملكة، وأُحيلت الوقائع التي ثبتت فيها مخالفات إلى القضاء، وفُصلت مسؤولية كل واحد من أعوانها على حدة. ولم يُدن أحد لمجرد قربه منها، بل بما ثبت من أفعاله.
أما المقص النجمي، فقد وُضع في صندوق من حجر لا يستطيع أحد فتحه بمفرده، وصار استخدامه ممنوعًا إلا بإجماع مجلس مستقل، وبعد توثيق كل قرار في سجل لا يملكه شخص واحد.
وحين خرجت المرأة من قاعة الحكم، لم تجد أحدًا يصفق لها.
لم يصرخ الناس في وجهها، ولم يلقوا عليها الحجارة، بل وقفوا على مسافة، يراقبونها وهي تعبر الطريق الذي كانت تمر به في مواكبها.
كان أقسى ما واجهته أنها رأت أسماء الذين محَتهم تعود إلى الألواح، واحدًا بعد آخر، بينما بدأ اسمها يُكتب للمرة الأولى بجوار القرارات التي اتخذتها، لا بجوار الألقاب التي منحتها لنفسها.
وعند طرف الجزيرة، رأت الطيور البيضاء تحلق فوق البحر، وفي مناقيرها آخر الخيوط التي لم تستعد مكانها بعد.
فهمت عندئذ أن المقص كان يمنحها قدرة على محو الأثر، لكنه لم يمنحها القدرة على محو الحقيقة نفسها.
ومنذ ذلك الزمن، تقول شعوب الشمال:
ليس أخطر الحكام من يعاقب خصومه، بل من يظن أن إزالة الشهود تعني إزالة الفعل، وأن محو أسماء أصحاب الإنجاز يجعل الإنجاز ملكًا لمن جلس مكانهم.
والحاشية التي تساعد الحاكم على محو الآخرين، لا تحميه من السقوط؛ إنها تؤجل اللحظة التي سيكتشف فيها أنه محا، بيده، كل ما كان يستطيع إنقاذه.
أما من يُقصى لأنه يرفض الكذب، فقد يغيب اسمه عن السجلات زمنًا، لكن أثره قد يبقى في جسر يعبره الناس، أو ماء يصل إلى قرية، أو حقيقة تعود حين يظن الجميع أنها ماتت.
فبعض الناس يتركون وراءهم مناصب، وبعضهم يتركون وراءهم إنجازات، أما الذين يحاولون محو الآخرين كي يبدوا عظماء، فيتركون وراءهم فراغًا لا يستطيع أحد أن يملأه بالتصفيق.