الدكتور ناصر الجندي يروى لنا “أسطورة العصفور الذي أحبَّ البحر”

أسطورة العصفور الذي أحبَّ البحر

حكاية عن جناحين صادقين، وبحرٍ ظنَّ أن اتساعه يمنحه الحق في ابتلاع السماء

بقلم الدكتور ناصر الجندي

يُحكى أنه في زمنٍ بعيد، حين كانت البحار تتحدث بلغة الأمواج، وكانت الطيور تعرف أسرار الرياح، عاش عصفور صغير على شجرة عالية تطل على بحرٍ لم يعرف الناس له بدايةً ولا نهاية.

كان العصفور مختلفًا عن بقية العصافير؛ لم يكن أكثرها جمالًا، ولا أقواها جناحًا، لكنه كان يملك شيئًا نادرًا: عينين لا تخدعهما زرقة الماء، وقلبًا لا يبيع الحقيقة مقابل حفنة من الحبوب.

وكان البحر عظيمًا، تتلألأ مياهه تحت الشمس، وتتهادى سفنه أمام الشاطئ، ويقف الناس على رماله مبهورين باتساعه، حتى ظنوا أن كل ما يخرج من أعماقه لا بد أن يكون ثمينًا، وأن كل من يتحدث باسمه لا بد أن يكون حكيمًا.

أحبَّ العصفور البحر.

كان يهبط كل صباح، يقف على صخرة قريبة من الماء، ويغني له أغنيات صغيرة، ثم يطير فوق أمواجه، يساعد الطيور التائهة على العثور على الشاطئ، وينبّه الصيادين إلى الصخور التي قد تحطم سفنهم، ويدل العطشى على الجداول العذبة التي تصب في مياهه.

لم يكن يطلب من البحر جزاءً، ولم يكن ينتظر منه منصبًا أو تاجًا؛ كان يعتقد أن الجمال الذي يمنحه الحب لا يحتاج إلى مقابل.

لكن البحر لم يكن كما تخيله العصفور.

ففي البداية، استقبل البحر أغنياته بترحاب، وأرسل إليه نسائم لطيفة، وتركه يقف على صخوره آمنًا. ثم أدرك أن هذا العصفور الصغير يحظى بمحبة الطيور، وأن كلماته تصل إلى الشاطئ أسرع من هديره، وأن المخلوقات البسيطة تصغي إليه لأنه لا يخدعها.

وهنا بدأ شيء غريب يتغير في أعماق البحر.

لم يعد يريد أغنيات العصفور، بل أراد أن يكون العصفور جزءًا من صوته؛ لا يغني إلا ما يرضيه، ولا يحلق إلا حيث يسمح له، ولا يقترب من الشاطئ إلا بإشارة منه.

وفي أحد الأيام، استدعى البحر أسرابًا من طيور النورس التي اعتادت التحليق حوله، ومنح كل سرب صخرة خاصة يقف عليها، ووعده بأن يجعل له نصيبًا من الأسماك إن ظل يردد أن البحر أعدل البحار وأكرمها.

لم تكن تلك الطيور تعرف كثيرًا عن البحر، لكنها كانت تعرف كيف تقترب من أمواجه حين يكون كريمًا، وكيف تبتعد عنها حين يغضب.

فصارت تمدحه في الصباح، وتدافع عنه في المساء، وتخبر كل طائر يعترض على أفعاله أن البحر لا يخطئ، وأن من يختلف معه لا يفهم أسرار الأعماق.

أما العصفور، فظل يغني أغنياته القديمة.

وحين رأى أن بعض الجداول العذبة حُوّلت عن مجراها، وأن أسرابًا مجتهدة مُنعت من الوصول إلى أماكنها، وأن طيورًا لا تجيد الغناء للبحر صارت تبحث عن قوتها بعيدًا عن الشاطئ، سأل البحر بهدوء:

— لماذا تُحرم الطيور التي خدمت شواطئك من حقها، بينما تمنح الامتيازات لمن لا يعرف عن البحر إلا الطريق إلى موائدك؟

اهتزت الأمواج، لا لأن السؤال كان قاسيًا، بل لأنه كان واضحًا.

أجابه البحر:

— أنا أعرف من يستحق الاقتراب مني، وأنا الذي أقرر من يغني على شاطئي، ومن يبتعد عنه. إن اتساعي هو دليلي، وإن قوتي هي حجتي.

قال العصفور:

— لكن الاتساع لا يصنع العدل، والقوة لا تجعل الخطأ صوابًا، ومن يحرس الشاطئ ليس أقل شأنًا ممن يجلس على عرشك.

لم ينسَ البحر تلك الكلمات.

ومنذ ذلك اليوم، بدأ يحيط نفسه بأسراب لا تسمع إلا ما تحب سماعه. كانت الطيور الصادقة تُدفع بعيدًا عن الشاطئ، بينما تُمنح الطيور المطيعة أعشاشًا آمنة فوق الصخور القريبة من القصر المائي.

وأصبح البحر يخلط بين الولاء له والولاء للحقيقة؛ فإذا مدحه طائر قرّبه، وإذا سأله عن حق ضائع أبعده، وإذا كشف خللًا في شاطئه اتهمه بأنه يريد تعكير صفو المياه.

IMG 20261022 WA0046 1

ومع مرور الأيام، بدأ الشاطئ يتغير.

كانت الرمال التي اعتادت أن تكون مفتوحة لكل الطيور تُقسّم إلى مناطق، لكل منطقة حارس يقرر من يدخلها. وكانت الأسماك التي تصل إلى الساحل لا تبلغ دائمًا أفواه الجائعين، بل تتوقف أولًا عند صخور لا يعرف أحد لماذا صارت ملكًا لأسراب بعينها.

أما البحر، فكان كلما سمع صوتًا يشكو، أمر أمواجه بأن ترتفع حتى تغطيه.

ولم يعد العصفور يجد مكانًا يقف فيه دون أن يُسأل عن سبب وجوده.

ومع ذلك، لم يكره البحر.

كان يعرف أن البحر أوسع من أخطاء من يتحدثون باسمه، وأن الماء ليس فاسدًا لمجرد أن بعض المخلوقات تتاجر به، لكنه كان يتألم لأنه أحب مكانًا صار فيه الصدق تهمة، والكفاءة خطرًا، والصمت طريقًا مختصرًا إلى الامتيازات.

وذات مساء، هبت رياح لم تعرفها الشواطئ منذ زمن طويل.

جاءت من وراء الأفق، تحمل معها غيومًا ثقيلة، وألقت بأمواج البحر فوق الصخور التي اعتاد أن يجلس عليها حراسه. حاولت طيور النورس أن تحتمي بالمظلات التي منحها إياها، لكن المظلات تطايرت، وانكشفت أعشاش بُنيت على الوعود لا على الجهد.

وللمرة الأولى، لم يكن البحر قادرًا على إسكات الأصوات القادمة من الشاطئ.

فقد ظهرت السجلات التي خبأتها الأمواج، وانكشفت الطرق التي سلكتها الأسماك قبل أن تصل إلى موائد المحظوظين، وعرف الجميع أن بعض القرارات لم تُتخذ لحماية البحر، بل لحماية من استغلوا اسمه.

جاءت سفن من بعيد، تحمل قضاة لا يخافون ارتفاع الأمواج، ولا تغريهم الأسماك اللامعة، وبدأوا يسألون عن كل صخرة مُنحت بغير حق، وعن كل طائر أُبعد لأنه قال الحقيقة، وعن كل عهد استُخدم ستارًا لمصلحة خاصة.

حاول البحر أن يرفع صوته، وأن يذكرهم بعظمته القديمة، لكنهم لم يحاكموه على اتساعه، بل على ما جرى في شواطئه، ولم يسألوه عن عدد أمواجه، بل عن الحقوق التي ضاعت بين أمواجه.

أما الطيور التي اعتادت الاحتماء بقربه، فقد تفرقت حين أدركت أن الامتيازات لا تصنع حصانة، وأن من يبيع صوته مقابل سمكة قد يجد نفسه يومًا بلا صوت ولا سمكة.

ولم يعد البحر قادرًا على اختيار من يسأله، ولا على منع الأسئلة التي لا تعجبه. فُرضت عليه رقابة جديدة، وأُعيدت الحقوق إلى أصحابها، وفُتحت الشواطئ التي أُغلقت طويلًا، وعاد بعض الطيور التي أُبعدت لتشارك في إصلاح ما أفسدته سنوات من المحاباة.

أما البحر، فقد خسر كثيرًا من هيبته، لا لأنه كان بحرًا، بل لأنه ظن أن عظمته تعفيه من المحاسبة.

وفي صباح اليوم التالي، عاد العصفور إلى صخرته القديمة.

كانت الأمواج هادئة، والشمس ترسم طريقًا ذهبيًا فوق الماء. وقف العصفور طويلًا، ثم غنّى أغنية جديدة، لم تكن مديحًا للبحر ولا شماتة في سقوطه، بل أغنية عن الشاطئ الذي يتسع للجميع حين لا يحتكره أحد.

اقترب منه عصفور صغير وسأله:

— ألم تندم لأنك أحببت البحر؟

ابتسم العصفور وقال:

— لم أندم لأنني أحببته، بل حزنت لأنني ظننت أن الحب وحده يكفي لإصلاحه. لقد تعلمت أن البحر قد يكون جميلًا، لكن الجمال لا يمنح أحدًا حق الظلم، وأن خدمة المكان لا تعني الصمت عن أخطائه، وأن من يحب الشاطئ حقًا لا يسمح لأحد بأن يحوله إلى ملكية خاصة.

ثم فتح جناحيه، وحلّق فوق الماء.

لم يكن يريد أن ينتقم من البحر، ولم يكن ينتظر أن يعتذر له. كان يريد فقط أن يعود البحر بحرًا، والشاطئ شاطئًا، والحق حقًا، وأن يصبح لكل طائر مكان يستطيع أن يعمل فيه دون أن يضطر إلى بيع كرامته.

ومنذ ذلك الحين، تناقلت الطيور حكاية العصفور الذي أحب البحر، لا بوصفها قصة حب انتهت بالحزن، بل بوصفها درسًا في الفرق بين حب المكان والخضوع لمن يسيء إدارته.

فالبحر لا يفسده اتساعه، بل يفسده حين يظن أن كل ما فيه ملكٌ له، وأن كل من يسبح في مياهه مدينٌ له بالطاعة.

وأما العصفور، فقد بقي حرًّا؛ لأن جناحيه لم يكونا يومًا هبةً من البحر، ولأن الكرامة التي لا يشتريها أحد لا يستطيع أحد أن ينتزعها إلى الأبد.

زر الذهاب إلى الأعلى